بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

+ الجدران الهسْمونيّة في القدس ودورها في المدينة التي عرفها السيد المسيح

+ الجدران الهسْمونيّة في القدس ودورها في المدينة التي عرفها السيد المسيح :


كشفت الحفريات الأثرية التي أُنجزت في عام 2024 ضمن مجمّع القشلة بالقرب من برج داود عن أحد أطول وأكمل أقسام الجدران الهسْمونيّة في القدس. ويعود تاريخ هذه التحصينات إلى أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، خلال حكم السلالة الهسْمونيّة بعد الثورة المكابيّة. تؤكد هذه الاكتشافات أن القدس كانت مدينة محصّنة بشكل مكثف قبل العهد الروماني، وأن بنيتها الدفاعية لعبت دورًا مركزيًا في استدامة المدينة وحمايتها من التهديدات الخارجية.

تُعدّ عائلة الهسْمونيين، المشهورة أيضًا باسم المكابيين، واحدة من أبرز العائلات الكهنوتية في مودين باليهودية. وتنتمي هذه العائلة إلى فئة من اليهود ظلّت مخلصة للرب رغم كل الضيقات والاضطهادات، حتى في أصعب الفترات التي وصلت فيها الحياة القومية والدينية إلى الحضيض. وقد تمكنوا، لفترة محدودة، من استعادة العزة القومية للشعب اليهودي بعد الثورة المكابيّة.
كان الهسْمونيون محاربين ومصلحين سياسيين، لكن تاريخهم يشير إلى شدة تعصبهم القومي، الذي استنزف موارد الأمة أكثر من الاضطهادات الخارجية، وأدى إلى انقسام الشعب إلى أحزاب متنازعة. ولم يتمكنوا طوال تاريخهم من توحيد الشعب خلفهم بشكل كامل، إذ مزّقتها المنازعات الداخلية كما واجهوا الأعداء من الخارج. كما لم يستطع جزء كبير من الشعب مقاومة التأثير الوثني في عهد الإسكندر الأكبر وخلفائه من المكدونيين والسوريين، وكان لآلاف الجنود العبرانيين الذين خدموا تحت راية اليونان تأثير بالغ على المجتمع اليهودي.

تستند مصادرنا الأساسية عن هذه الفترة إلى أسفار المكابيين وتاريخ اليهود وحروبهم ليوسيفوس. أما عن التسمية، فكلمة «هسْمونيون» مشتقة من الاسم العبري هسمان (أو أسمونوس) [חֹסֶן]، والذي يعني «الغنى»، وكان هسمان كاهنًا من عائلة يهوياريب [أو يوياريب – 1 مكابيين 2: 1؛ 1 أخبار 24: 7].
- فِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ مِنْ أُورُشَلِيمَ مَتَّثْيَا بْنُ يُوحَنَّا بْنِ سِمْعَانَ كَاهِنٌ مِنْ بَنِي يُويَارِيبَ، وَسَكَنَ فِي مُودَيْنَ. (1 مكابيين 2: 1)

- "فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ الأُولَى لِيَهُويَارِيبَ. الثَّانِيَةُ لِيَدْعِيَا." (1 أخ 24: 7).

أما لقب «المكابيين»، فيعود إلى يهوذا بن متتيا، وربما استُمدّ من الكلمة العبرية מַקָּבָה «مكبة» بمعنى «مطرقة»، أو מַכְבִּי «المُخمِد» أي «المُطفئ»، أو أنه يمثل الحروف الأولى لعبارة عبرية تقول: «من بين الآلهة، يا رب، مَن يشبه لك؟» (מִי כָמוֹךָ בָּאֵלִים יְהוָה)، وكانت هذه الحروف الأولى (מ־כ־ב־י) تُكتب على أعلام المكابيين.
لقد وسّع الهسْمونيون المدينة غربًا وبنوا أسوارًا ضخمة لتأمين قلب القدس القديم، وهو ما وثّقه المؤرخ فلافيوس يوسفوس، مشيرًا إلى هذه التحصينات بوصفها «الجدار الأول» للمدينة
(Josephus, The Jewish War, Book 5, Chapter 4, Sections 142–145).
وتكشف الاكتشافات الحديثة أن هذه الجدران لم تكن هياكل رمزية أو مؤقتة، بل تجهيزات هندسية متقدمة هدفت إلى الدفاع طويل المدى، بما في ذلك الأبراج والحصون التي عززت من متانة المدينة ضد أي هجوم محتمل.

ظلّت هذه التحصينات فعّالة حتى القرن الأول الميلادي، إذ قام هيرودس الكبير بتقويتها وبناء أبراج إضافية مثل فاسائيل (Phasael)، وهيبِّيكوس (Hippicus)، ومريمَن (Mariamne) ضمن شبكة الدفاع الهسْمونيّة، دون إزالة الأسوار الأصلية، ما يدل على استمرار فعاليتها الدفاعية وأهميتها الاستراتيجية. ومن ثم، كانت القدس في زمن يسوع مدينة محصّنة بجدارة، ترتكز على إرث الهسْمونيين الدفاعي.
تكتسب هذه الجدران أهمية خاصة عند دراسة حياة يسوع المسيح، إذ كان موقع برج داود بالقرب من المداخل الغربية للمدينة، وهي الطرق التي عبرها الحجاج والسكان المحليون يوميًا. وتُظهر الأناجيل أحداثًا عديدة داخل القدس تُبرز الحركة بين الأبواب والأحياء والمعبد، مثل:

- متى 21: دخول يسوع إلى القدس قبل أسبوع الآلام، حيث سار عبر المدينة محاطًا بالحشود.

- يوحنا 2: طرد التجار من الهيكل، وهو حدث وقع ضمن أسوار المدينة المحصّنة التي شيدها الهسْمونيون.

- لوقا 19: حزن يسوع على المدينة عند اقترابه من القدس، مشيرًا إلى مستقبلها، بينما كانت الجدران والهياكل الدفاعية جزءًا ملموسًا من المشهد الحضري الذي شاهدته عيناه.

من خلال هذه النصوص، يظهر أن القدس التي تحرك فيها السيد المسيح كانت محصّنة بالجدران الهسْمونيّة نفسها، التي شيدها المكابيون، وممّا زاد من تقويتها أبراج هيرودس، ما يجعلها عنصرًا حقيقيًا ومرئيًا في عالمه اليومي، وليس مجرد خلفية رمزية. وعلى الرغم من أن الأناجيل لا تذكر أسماء الجدران، فإن القدس التي عرفها يسوع كانت المدينة المحصّنة التي بناها الهسْمونيون وجددها هيرودس، ما يجعلها جزءًا حقيقيًا وملموسًا من البيئة التاريخية التي تصفها النصوص.

إذن، يظهر بوضوح أن الهسْمونيين هم من أسسوا القدس المحصّنة، وأن الجدران التي شيدوها كانت رمزًا للقوة القومية والدفاعية، وشاهدة على الحياة اليومية للشعب اليهودي في العصر المكابي وما بعده، بما في ذلك زمن يسوع، حيث استمرت هذه التحصينات في الحفاظ على المدينة واستمرارية وجودها التاريخي والديني.

ويؤكد هذا الاكتشاف دور القدس كمدينة محصّنة ومخططًا دفاعيًا منذ القرن الثاني قبل الميلاد، ما يعزز مصداقية النصوص التاريخية والدينية معًا. فالحجارة التي وضعها المقاتلون المكابيون، وممّا زاد من تقويتها أبراج هيرودس، والتي دُمّرت لاحقًا على يد الرومان في سنة 70 م، كانت موجودة عندما علّم المسيح وشفّى وبكى على المدينة، وتحقّق لاحقًا ما قاله السيد المسيح (لوقا 19: 41).

- وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلًا: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلَكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ…»
(لوقا 19: 41–44).

تشير هذه النبوة إلى دمار القدس على يد الرومان في سنة 70 م، بعد حصار المدينة وإزالة تحصيناتها، بما في ذلك الجدران الهسْمونيّة التي شُيّدت لحماية المدينة منذ القرن الثاني قبل الميلاد. ومن منظور تاريخي، يُظهر النص معرفة يسوع ودقته بشأن نهاية المدينة المحصّنة، وهو ما أكدته الحفريات الأثرية التي تكشف عن طبقات الأسوار والهياكل الدفاعية التي دمّرها الرومان لاحقًا.

إن هذه النبوة تُبرز ليس فقط البعد الروحي للأحداث، بل تتوافق أيضًا مع الحقائق التاريخية والأثرية، مؤكدةً أن القدس كانت بالفعل مدينة محصّنة، وأن هدمها كان كارثة ملموسة على المستويين المدني والعسكري، ما يعزز مصداقية النصوص الكتابية ويُظهر العلاقة الوثيقة بين الكتاب المقدس والتاريخ المادي للمدينة.

- الخاتمة

تُظهر الاكتشافات الأثرية الحديثة، ولا سيما الكشف عن الجدران الهسْمونيّة في مجمّع القشلة بالقرب من برج داود، بوضوح مدى التطور الهندسي والعمق التاريخي للتحصينات التي أُقيمت في القدس منذ القرن الثاني قبل الميلاد. وتؤكد هذه المعطيات أن الجدران الهسْمونيّة لم تكن مجرد تعبير رمزي عن السيادة السياسية، بل مثّلت منظومة دفاعية متكاملة أدّت دورًا محوريًا في حماية المدينة وضمان استمراريتها العمرانية عبر عصور متعاقبة.

وتكتسب هذه النتائج أهمية مضاعفة عند قراءتها في ضوء النصوص الكتابية، إذ تُسهم في إعادة بناء المشهد الحضري للقدس في القرن الأول الميلادي، وتُتيح فهماً أدقّ للبيئة التاريخية التي تحرّك فيها السيد المسيح. ومن هذا التقاطع بين النص المقدّس والأثر المادي، تتجلى القدس لا بوصفها فكرة لاهوتية مجرّدة، بل مدينة حقيقية ذات جدران وحجارة وتاريخ حيّ—مدينة شهدت الإيمان، والصراع، والرجاء، وما زالت آثارها تنطق بما حفظه التاريخ والزمان ودوّنته الذاكرة.

- References

Excavation Reports, Tower of David – Citadel (Kishle Compound), Jerusalem, 2024–2025.

Hasmonean Fortifications and the First Wall of Jerusalem, 2024.

Uncovering Jerusalem’s First Wall, 2024–2025.

The Longest Preserved Section of the Hasmonean City Wall in Jerusalem, 2025.

Hasmonean Wall Discoveries on Mount Zion, 2008.

Flavius Josephus, The Jewish War (Bellum Judaicum),
Book 5, Chapter 4, Sections 142–145;
Book 1, Chapter 21, Sections 401–402.

The First Book of Maccabees.

The Second Book of Maccabees.

Ehud Netzer, The Architecture of Herod, the Great Builder.

Shimon Gibson, The Final Days of Jesus: Archaeological Evidence.

______________________
المصدر 

**********************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق