بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعريفات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعريفات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

+ مصطلح (الغير مسلمين) الذي يقولون به المسلمين للمسيحيين

+ مصطلح (الغير مسلمين) :
يستخدم المسلمون عدة مصطلحات للإشارة إلى غير المسلمين، وتختلف هذه المصطلحات بناءً على السياق (سواء كان فقهياً، أو قرآنياً، أو اجتماعياً).

 إليك أبرز هذه المصطلحات ومعانيها:
١- المصطلح العام: "الكافر"
​هو المصطلح الأكثر شيوعاً في النصوص الشرعية، ويعني لغوياً "الجاحد" أو "الساتر للحق". يُستخدم لوصف من لا يؤمن برسالة الإسلام.
​ملاحظة: رغم أنه مصطلح عقدي، إلا أن استخدامه في العصر الحديث قد يحمل دلالات هجومية في السياقات الاجتماعية، لذا يفضل البعض استخدام مصطلحات أخرى أكثر تلطفاً.

​٢- المصطلحات القرآنية: "أهل الكتاب"
​يُطلق هذا المصطلح تحديداً على اليهود والنصارى (المسيحيين).
​يتمتع "أهل الكتاب" بمكانة خاصة في التشريع الإسلامي، حيث أباح الإسلام أكل ذبائحهم والزواج من نسائهم، تقديراً للأصل السماوي لدياناتهم.

​٣- المصطلحات الفقهية (القانونية قديماً)
​كانت تُستخدم هذه المصطلحات في سياق الدولة الإسلامية لتحديد الحقوق والواجبات:
- ​الذمّي: هو غير المسلم الذي يعيش في الدولة الإسلامية ويتمتع بحماية الدولة ("في ذمة المسلمين").

- ​المعاهد: هو الذي بينه وبين المسلمين عهد أو ميثاق صلح.

- ​المستأمن: هو غير المسلم الذي يدخل بلاد المسلمين بأمان (مثل السياح أو التجار حالياً).

​٤- المصطلحات الحديثة والاجتماعية
​في الوقت الحالي، ومع تغير طبيعة العلاقات الدولية والمواطنة، يشيع استخدام مصطلحات مثل:
- ​غير المسلمين: وهو المصطلح الأكثر حيادية ودقة في الحوارات الرسمية.
​الآخر: ويستخدم غالباً في الدراسات الفكرية والحوارات الدينية (مثل "قبول الآخر").

- ​الشركاء في الوطن: مصطلح اجتماعي يؤكد على وحدة الصف والمواطنة بغض النظر عن الدين.

- لماذا يقولون المسلمين مصطلح الغير مسلمين بدل المسيحيين؟
هذا السؤال يمس جوانب شرعية ولغوية واجتماعية. في الواقع، المسلمون يستخدمون وصف "المسيحيين" بالفعل في أحاديثهم اليومية والودية، لكنهم قد يميلون لاستخدام مصطلح "غير المسلمين" في سياقات معينة لأسباب محددة:
​١- السياق التصنيفي (الشمولية)
​يُستخدم مصطلح "غير المسلمين" عندما يكون الحديث موجهاً لكل من لا يدين بالإسلام (مسيحيين، يهود، بوذيين، ملحدين، إلخ). فإذا كان الموضوع يتعلق بالقوانين، أو الحقوق، أو التعاملات العامة في دولة ما، يُستخدم المصطلح الأعم ليشمل الجميع دون الحاجة لتفصيل كل ديانة على حدة.

​٢- السياق العقدي والشرعي
​في المنظور الإسلامي، ينقسم الناس من حيث "الإيمان بالرسالة المحمدية" إلى قسمين: مسلم (من آمن) وغير مسلم (من لم يؤمن).
​المسلمون يرون أن مصطلح "غير مسلم" هو وصف واقعي ومحايد يحدد الموقف من الدين الإسلامي، تماماً كما قد يطلق المسيحيون مصطلح "غير مسيحيين" أو "أمميين" في سياقاتهم الخاصة.

​٣- مسألة المصطلحات (مسيحيين أم نصارى؟)
​هناك نقاش داخلي بين المسلمين حول التسمية الأدق:
​نصارى: هو المصطلح الذي ورد في القرآن الكريم، ولذلك يفضل الكثير من المسلمين استخدامه التزاماً باللفظ القرآني.
​مسيحيين: هو المصطلح الذي يفضله أتباع الديانة المسيحية لأنفسهم (نسبة للسيد المسيح). بعض العلماء المسلمين (مثل الشيخ ابن باز) كانوا يرون أن كلمة "مسيحي" فيها تزكية أو نسبة قد لا تتفق مع المنظور الإسلامي لاتباع المسيح، بينما يرى علماء معاصرون آخرون أنه لا مانع من استخدامها من باب الأدب والتعارف وما يحب الناس أن يُسموا به.

- يُفهم المصطلح كإساءة :
​الإقصاء: عندما يُعرّف الشخص بما "ليس هو" (أي غير مسلم)، قد يشعر أن هويته المستقلة كـ "مسيحي" قد أُلغيت ووُضع في خانة التبعية.

​النبرة: أحياناً لا تكون المشكلة في "الكلمة" نفسها، بل في النبرة التي تُقال بها، فإذا استُخدمت في سياق يهدف للتمييز أو التعالي، تصبح مسيئة.

*************************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

الأحد، 21 ديسمبر 2025

+ استخدام مصطلح "ابن الله" في الاديان الوثنية اليهودية والمسيحية والاسلامية

+استخدام مصطلح "ابن الله" في الاديان الوثنية واليهودي والمسيحية والاسلام


يعتبر مصطلح "ابن الله" من المصطلحات التي تطورت دلالاتها بشكل كبير عبر التاريخ، حيث اختلف معناه جذرياً بين السياق الوثني (اليوناني والروماني) والسياق اليهودي القديم المسيحية والاسلام

​إليك توضيح للفروقات الجوهرية بين المفاهيم في الاديان المختلفة:

​أولاً: مفهوم "ابن الله" في الوثنية (الأساطير القديمة)

​في الحضارات الوثنية (مثل الإغريقية والرومانية والمصرية)، كان المفهوم بيولوجياً وحرفياً في أغلب الأحيان.

  • التناسل الجسدي: كان يُعتقد أن الآلهة تتزوج أو تعاشر البشر، وينتج عن هذا الاتحاد "أنصاف آلهة" (Demi-gods) مثل "هرقل".
  • تأليه الحكام: كان الأباطرة الرومان (مثل أغسطس قيصر) يلقبون بـ "ابن الإله" (Divi Filius) لإضفاء شرعية دينية على حكمهم، باعتبارهم منحدرين من سلالة آلهة أو أن الروح الإلهية حلت فيهم.
  • الطبيعة المادية: الابن هنا يحمل صفات خارقة وقوة بدنية، ولكنه غالباً ما يكون كائناً منفصلاً عن الإله الأب، وقد يدخل في صراع معه.

--------------------

​ثانياً: مفهوم "ابن الله" في اليهودية (العهد القديم)

​في الفكر اليهودي، المفهوم مجازي ووظيفي تماماً، ولا يحمل أي دلالة على التناسل الجسدي، لأن الذات الإلهية في اليهودية منزهة عن التجسد أو الإنجاب.

​استُخدم المصطلح في التراث اليهودي للإشارة إلى عدة فئات:

  1. الملائكة: يُشار إليهم أحياناً بـ "بني الله" (بني إلوهيم) بصفتهم كائنات روحانية قريبة من العرش الإلهي (كما في سفر أيوب).
  2. شعب إسرائيل ككل: يُنظر إلى بني إسرائيل في التوراة كـ "ابن بكر" لله، وهي علاقة تعاقدية تعبر عن المحبة والرعاية (مثل: "إسرائيل ابني البكر").
  3. الملك (مسيا): كان ملك إسرائيل (خاصة من نسل داود) يُسمى "ابن الله" عند تتويجه، وهو لقب تشريفي يعني أنه "وكيل الله" على الأرض ومكلف بتنفيذ شريعته.
  4. الأتـقياء والصالحين: يُطلق أحياناً على الشخص البار الذي يطيع وصايا الله.

--------------------

​ثالثاً: مفهوم "ابن الله" في المسيحية :

مفهوم "ابن الله" في المسيحية هو أحد أكثر المفاهيم جوهرية وعمقاً، وغالباً ما يُساء فهمه إذا تم تفسيره بمعناه الحرفي أو الجسدي. في الإيمان المسيحي، لا يشير المصطلح إلى ولادة بيولوجية، بل إلى علاقة طبيعة وجوهر.

إليك شرح مبسط لأبعاد هذا المفهوم:

١- البنوة الروحية وليست الجسدية

​تؤكد المسيحية بشكل قاطع أن الله "لم يلد ولم يولد" بالمفهوم التناسلي البشري. "ابن الله" هو لقب لاهوتي يعني أن يسوع المسيح هو "كلمة الله" المتجسد. كما يخرج الفكر من العقل دون أن ينفصل عنه، يُنظر إلى الابن على أنه خارج من ذات الآب ومشارك له في نفس الجوهر الإلهي.

​2. التساوي في الجوهر (اللاهوت)

​وفقاً لمجمع نيقية (325م)، يُعتقد أن الابن "مساوي للآب في الجوهر". هذا يعني:

  • الأزلية: ليس هناك زمن كان فيه الآب موجوداً والابن غير موجود.
  • القدرة: يمتلك الابن كل صفات الألوهية التي للآب.
  • الوحدة: هم إله واحد (ضمن عقيدة الثالوث القدوس: الآب والابن والروح القدس).

​3. يسوع المسيح: ابن الله وابن الإنسان

​في العقيدة المسيحية، يسوع المسيح له طبيعتان في شخص واحد:

  • ابن الله: بحسب طبيعته الإلهية (لاهوته).
  • ابن الإنسان: بحسب طبيعته البشرية (ناسوته) التي اتخذها من مريم العذراء ليفدي البشرية.

​4. لماذا استُخدم لقب "الابن"؟

​استُخدم هذا المصطلح لتقريب الفكرة للعقل البشري للتعبير عن:

  • المحبة: العلاقة الفريدة والوثيقة بين الأقنوم الأول (الآب) والأقنوم الثاني (الابن).
  • الإعلان: الابن هو الذي أعلن للبشرية عن ذات الله وصفاته ("الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد... هو خَبَّر").

ملاحظة هامة: التمييز بين "الخالق" و"المخلوق" أساسي هنا؛ فالمسيحية ترى أن المسيح "مولود غير مخلوق"، أي أنه من طبيعة الله الخالقة وليس كائناً خلقه الله مثل الملائكة أو البشر.

ونعطي في النهايه مفهوم ابن الله في المسيحية بمعنى هو الله الظاهر في الجسد

    -----------

​رابعاً: مفهوم "ابن الله" في الاسلام :

يرفض المسلمين تعبير مصطلح ابن الله، في مفهومه العام بأن الله تزوج وانجب ولد ويوجد ايات قرانية كثير ينفي فيه عدم ولادة الله وانجاله (لا يلد ولا يولد) 

وجاء مصطلح ابن الله اتنسب الي محمد نبي الاسلام من خلال كتاب اقانيم النصارى تأليف احمد حجازى السقاء

  • يزعم السقا في تحليله لبعض النصوص (مثل المزامير أو بعض الأناجيل المرفوضة كإنجيل برنابا) أن "الابن البكر" أو "الابن الحبيب" الذي سيظهر في "آخر الزمان" هو النبي محمد ﷺ، وذلك بناءً على أوصاف يراها منطبقة عليه أكثر من غيره.
  • الترجمة والتحريف: يجادل السقا بأن المترجمين استبدلوا أسماء أو صفات معينة كانت تشير إلى "أحمد" أو "محمد" بمصطلحات مثل "الابن" أو "البارقليط" لتتفق مع العقيدة المسيحية اللاحقة.
******************
اعداد / امجد فؤاد 
موسوعة الديانة المسيحية 

الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

+ مفهوم " اللوغوس" في الفكر الإنجيلي من خلال الأسفار المقدَّسة؟ ولماذا بدأ يوحنا الحبيب إنجيله بعقيدة "اللوغوس" ولم يتبع الخط التاريخي كبقية الأناجيل؟

+ مفهوم " اللوغوس" في الفكر الإنجيلي من خلال الأسفار المقدَّسة؟ 
ولماذا بدأ يوحنا الحبيب إنجيله بعقيدة "اللوغوس" ولم يتبع الخط التاريخي كبقية الأناجيل؟
1- دعى يوحنا الرسول أقنوم الكلمة "اللوغوس" أي النطق الذي يعبر عن فكر وحكمة وعقل الله، هو الفكر المنطوق الذي بدونه لا ندرك العقل، فلا يمكننا أن ندرك العقل بدون النطق، فلو أنك التقيت بإنسان صامت فكيف تعرف تفكيره وعقله وحكمته وذكائه وفطنته؟! أقنوم اللوغوس هو الذي يُعرِفنا بالآب: "الله لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو 1: 18)، فبدون أقنوم الكلمة نعجز تمامًا عن معرفة الله الآب، وهذا ما ذكره إشعياء النبي في معرض حديثه عن يوحنا المعمدان، فقال: "فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ" (إش 40: 5)، ففي التجسد الإلهي أُعلن مجد الله الآب، وقال السيد المسيح لفيلبس " اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو 14: 9)، وقال بولس الرسول أن الله الآب " كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ" (عب 1: 2)، اللوغوس هو نطق الله العاقل أو عقل الله الناطق.

2- "اللوغوس" أزلي بأزلية الآب، هو كائن منذ الأزل مع الآب والروح القدس: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1)، و" الْبَدْءِ" هنا الذي ليس قبله بدء، أي الأزل، وعندما ادعى "أريوس" أن أقنوم الكلمة مخلوق قال له البابا أثناسيوس بما معناه: هل تدرك يا أريوس ماذا تقول؟ بقولك أن الابن مخلوق، والابن هو عقل الله الناطق، فمعنى قولك أنه مرَّ وقت كان فيه الآب بلا عقل؟!! ويقول "البابا شنودة الثالث": "أن عبارة "الكلمة" تعني عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل، فهي تعني العقل والنطق معًا... وطبيعي أن عقل الله لا ينفصل عن الله، واللَّه وعقله كيان واحد... ومادام المسيح هو عقل الله الناطق، إذًا فهو الله... وإذًا فهو أزلي، لأن عقل الله كائن في الله منذ الأزل... وإذًا فهو غير مخلوق، لأن المخلوق لم يكن موجودًا قبل خلقه، ومحال أن تقول هذا عن الله، وهل يعقل أحد أن الله مرَّ عليه وقت كان فيه بدون عقل؟ ثم بعد ذلك خلق لنفسه عقلًا! وبأي عقل يخلق لنفسه عقلًا؟! أن فهم الثالوث يعرّفنا أزلية الأقانيم الثلاثة، وأن أقنوم الكلمة من طبيعة الله ذاته، وكائن فيه منذ الأزل. وهكذا فإن الأقنوم الثاني، اللوغوس، الكلمة، هو أقنوم المعرفة أو العقل أو النطق في الثالوث القدوس، هو "الْمَسِيحِ الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو 2: 3)، أو هو أقنوم الحكمة في الثالوث لذلك قال القديس بولس الرسول عن السيد المسيح أنه: "حِكْمَةِ الله" (1كو 1: 24) (275).

3- "اللوغوس" هو الله " وَكَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1)، من نفس طبيعة الله الآب، وليس غريبًا عنه، ولا في رتبة أقل من رتبة الآب، هو مولود من الآب وليس مخلوقًا، ولادة النور من النور، وولادة الشعاع من الشمس، ليست ولادة جسدية حسية لحمية، بل ولادة روحية مستمرة منذ الأزل وإلى الأبد (راجع كتابنا: أسئلة حول حتمية التثليث والتوحيد، س 19).

4- "اللوغوس" الذي خلق الله به كل شيء ما يُرى وما لا يُرى كقول الإنجيل: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو 1: 3)... " كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ" (يو 1: 10)، وقال بولس الرسول: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو 1: 16)، كما قال عن الابن الكلمة: "الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ" (عب 1: 2)... " بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ الله" (عب 11: 3).

5- أقنوم الكلمة "اللوغوس" يتمايز عن الآب، فليس هو الآب، ولا هو الروح القدس (روح الآب والابن). والآب والابن (اللوغوس) والروح القدس لهم ذات الطبيعة الإلهيَّة الواحدة، ذات الكيان الإلهي الواحد، ذات الجوهر الإلهي الواحد، وهناك تمايز بين الآب واللوغوس والروح القدس، ولتسهيل المعنى نضع أمام أعيننا الشمس، فقرص الشمس يتولَد منه الشعاع وتنبثق منه أو تنبعث منه الحرارة، وكل منهم غير الآخر، فالشعاع ليس هو القرص ولا هو الحرارة، وكل منهم هو الشمس، فالقرص هو الشمس، والشعاع هو ذات الشمس، والحرارة كذلك هيَ ذات الشمس، لأنها شمس واحدة، وليست ثلاث شموس. ومن أجل أن كل أقنوم غير الآخر، لذلك قال الإنجيل " وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله" (يو 1: 1)، عند الله أو نحو الله، ليشير للتمايز بين اللوغوس وبين الآب، وعندما قال "عند" الله لم يكن يقصد مكان معين أو في زمن معين، لأن الله فوق المكان والزمان، فعلاقة اللوغوس بالآب منذ الأزل وإلى الأبد مستمرة بلا انقطاع، فاللوغوس كائن في الحضن الأبوي كل حين: "اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ" (يو 1: 18)... " الآبَ يُحِبُّ الابْنَ" (يو 5: 20)، والابن يحب الآب: "لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ" (يو 14: 31)، والروح القدس هو روح الحب، لهذا لا نستعجب عندما نرى الابن يخاطب الآب، والآب يجيبه: "أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ مَجَّدْتُ وَأُمَجِّدُ أَيْضًا" (يو 12: 28).

6- في ملء الزمان تجسَّد "اللوغوس" وتأنس: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو 1: 14)، فاتخذ اللوغوس طبيعة بشرية، جسدًا حقيقيًا ماديًا وروح بشرية، وهو ما عبَّر عنه بولس الرسول: "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ أَرْسَلَ الله ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ" (غل 4: 4). وهذا لم يرد في الفكر اليوناني ولا الفكر الغنوسي، فالفكر اليوناني نظر للجسد على أنه سجن وقبر للروح، والفكر الغنوسي نظر للمادة على أنها شر وخطية، وأن الله منزَّه عن الاتصال بالمادة. يقول "وليم باركلي": "هنا (في إنجيل يوحنا) يتقدم بالفكر الفريد الذي يبدو غريبًا كل الغرابة عن مفاهيم الفكر اليوناني، لقد قال أوغسطين، وهو حجة في الدراسات الفلسفية القديمة، أنه قرأ ودرس جميع الفلسفات التي تقدم بها كبار فلاسفة الوثنية، ولكنه لم يجد في واحدة منها كلمة توازي ما جاء في بشارة يوحنا، مع أن الكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا، ولقد كان اليونانيون يعتقدون أن هذا هو المستحيل. فالشيء الوحيد الذي ما كان ممكنًا أن يحلم به يوناني أن يرى الله، وقد أخذ جسدًا، وحلَّ إنسانًا بين بني البشر فالجسد في الفكر اليوناني كان شرًا، سجنًا قُضي على النفس أن تبقى فيه لاختبارها وتصفيتها... قبرًا منتنًا كُتب على الروح أن تلازمه ردحًا من الزمن" (شرح بشارة يوحنا جـ 1 ص 88) (276).

7- ما سجَّله يوحنا الإنجيلي عن "مفهوم اللوغوس" يتوافق تمامًا مع ما جاء في العهد القديم ولاسيما في أسفار الحكمة، فاللوغوس هو "الميمرا" في الفكر العبراني كما رأينا من قبل (راجع س 668). وقد أورد "رندل هَرّس" Rendel Harris J. بعض ما أورده يوحنا الإنجيلي (يو 1: 1 - 14) وقابلها بما ورد في أسفار الحكمة:

أ - " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1)، تقابل: "اَلرَّبُّ قَنَانِي (جعلني) أَوَّلَ طَرِيقِهِ" (أم 8: 22).

ب - " وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله" (يو 1: 1)، تقابل " كُنْتُ عِنْدَهُ" (أم 8: 30).

جـ - " كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو 1: 3)، تقابل: "وَفَاطِرَ الإِنْسَانِ بِحِكْمَتكَ" (حك 9: 2)... " كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا" (أم 8: 30)... " الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ" (أم 3: 19).

د - " فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو 1: 4)، تقابل: "مَنْ يَجِدُنِي يَجِدُ الْحَيَاةَ" (أم 8: 35)... فقال الكتاب عن أقنوم الحكمة " لأَنَّهَا ضِيَاءُ النُّورِ الأَزَلِيِّ" (حك 7: 26).

هـ - " وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يو 1: 5)، تقابل: "وَإِذَا قِيسَتْ بِالنُّورِ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لأَنَّ النُّورَ يَعْقُبُهُ اللَّيْلُ أَمَّا الْحِكْمَةُ فَلاَ يَغْلِبُهَا الشَّرُّ" (حك 7: 29-30).

و - " كَانَ فِي الْعَالَمِ" (يو 1: 10)، تقابل: "إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ فَمِ الْعَلِيِّ بِكْرًا قَبْلَ كُلِّ خَلِيقَةٍ وَجَعَلْتُ النُّورَ يُشْرِقُ فِي السَّمَوَاتِ عَلَى الدَّوَامِ وَغَشَّيْتُ الأَرْضَ كُلَّهَا بِمِثْلِ الضَّبَابِ" (سي 24: 5-6).

ز - " وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ. جَاءَ إِلَى خَاصَّتِهِ وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو 1: 10-11)، تقابل: "لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي. بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي وَلَمْ تَرْضَوْا تَوْبِيخِي... لَمْ يَرْضَوْا مَشُورَتِي. رَذَلُوا كُلَّ تَوْبِيخِي" (أم 1: 24 - 30).

ح - " وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ الله" (يو 1: 12)، تقابل: "تَحِلُّ فِي النُّفُوسِ الْقِدِّيسَةِ فَتُنْشِئْ أَحِبَّاءَ للَّهِ وَأَنْبِيَاءَ" (حك 7: 27).

ط - " وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يو 1: 14)، تقابل: "وَالَّذِي حَازَنِي عَيَّنَ مَقَرَّ مَسْكَنِي وَقَالَ اسْكُنِي فِي يَعْقُوبَ" (سي 24: 12-13).

ى - " وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ" (يو 1: 14)، تقابل: "فَإِنَّ فِيهَا الرُّوحَ الْفَهِمَ الْقُدُّوسَ الْمَوْلُودَ الْوَحِيدَ... بُخَارُ قُوَّةِ الله وَصُدُورُ مَجْدِ الْقَدِيرِ الْخَالِصُ" (حك 7: 22 - 25). (راجع الأب متى المسكين - المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا ص 390، 391).

فواضح أن "اللوغوس" (السيد المسيح) هو صاحب هذه الأسفار المقدَّسة جميعها، فهو موجود داخل هذه الأسفار، وكون يوحنا الحبيب في معرض حديثه عن "اللوغوس" يلتقي مع هذه الأسفار المقدَّسة فهذا دليل على وحدة الوحي وترابط الأسفار، ونلاحظ أن النصوص تنتقل للحديث من الله إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى الله، لأنها تتحدث عن أقنوم الحكمة، فاللوغوس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح هو "حِكْمَةِ الله" (1 كو 1: 24).

_____
المراجع : 
(275) لاهوت المسيح، ص8، 9.
(276) أرده د. محمد على زهران - إنجيل يوحنا في الميزان، ص248، 249.
***********************
اعداد /امجد فؤاد
#موسوعةالديانةالمسيحية 
موسوعة الديانة المسيحية