+ كهف المزامير بجبل الطارف:
يُعد جبل الطارف بنجع حمادي واحداً من أهم المواقع الجيولوجية والأثرية في مصر، ليس فقط لاحتضانه اكتشاف "مخطوطات نجع حمادي" الشهيرة، بل لكونه شاهداً حياً على بزوغ فجر الرهبنة القبطية. وفي قلب هذا الجبل، يبرز "كهف المزامير" كأحد الكنوز التي مزجت بين القداسة والتاريخ.
أولاً: الموقع الجغرافي
يقع الكهف في قلب جبل الطارف، وتحديداً على بُعد 11 كيلومتراً شمال شرق مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا. يتسم الموقع بوعورته وارتفاعه، مما جعله قديماً ملاذاً مثالياً لمن ينشد العزلة بعيداً عن ضجيج الوادي، ويشرف الجبل على منطقة "حمرة دوم" و"القصر والصياد"، وهي مناطق غنية بالآثار الفرعونية والقبطية.
ثانياً: مواصفات الكهف (Cave T8)
يُصنف الكهف علمياً ضمن سجلات البعثات الأثرية باسم (Cave T8)، وتتمثل مواصفاته المعمارية والطبيعية فيما يلي:
- التصميم الداخلي: يتكون الكهف من بهو رئيسي يتفرع إلى غرفتين، وهو تقسيم وظيفي ذكي؛ حيث كان البهو يُستخدم لاستقبال الزوار والتلاميذ، بينما تُستخدم الغرف الداخلية للصلاة والنوم (الخلوة).
- الطابع الصخري: الكهف منحوت في الحجر الجيري، ويتميز ببرودة طبيعية تجعل الإقامة فيه ممكنة رغم حرارة الصعيد.
- النقوش الجدارية: تزدان جدرانه بنقوش قبطية قديمة، تضم أجزاءً من بدايات المزامير، وهو ما منح الكهف اسمه الحالي.
ثالثاً: سكان الكهف واستخداماته عبر الزمن
شهد الكهف تعاقباً بشرياً وروحياً مثيراً للاهتمام:
- عصر الرهبنة الأولى: يُرجح بقوة أن هذا الكهف كان مسكناً للقديس الأنبا بلامون السائح، أحد أعمدة الرهبنة التوحدية. وفي هذا المكان، بدأت واحدة من أهم قصص التاريخ الكنسي، وهي تلمذة الأنبا باخوميوس (مؤسس نظام الشركة) على يد الأنبا بلامون.
- مركز تعليمي وروحي: استُخدم الكهف كـ "منشوبية" (مكان للوحدة الرهبانية)، حيث كان الأنبا بلامون يستقبل تلاميذه ويعلمهم أصول الحياة الرهبانية.
- كنيسة جبلية: بعد عصر الأنبا باخوميوس وانتشار الأديرة في المنطقة، استُخدم الكهف ككنيسة صغيرة أو مكان للصلاة، وهو ما تفسره النقوش الدينية والمزامير المكتوبة على جدرانه.
رابعاً: الآثار المتواجدة في الكهف وما حوله
- مخطوطات نجع حمادي: رغم التضارب في رواية المكتشف "محمد علي السمان"، إلا أن الجبل يُنسب إليه اكتشاف 13 مجلداً من البردي (الأناجيل الغنوصية) عام 1945، والتي يُعتقد أنها أُخفيت في هذا المحيط لحمايتها.
- النقوش القبطية: يحوي الكهف نصوصاً كتابية واضحة للمزامير باللغة القبطية، تُعد وثيقة أثرية هامة لطرق الكتابة والعبادة في القرن الرابع الميلادي.
- المنشوبيات والمقابر: يضم جبل الطارف أكثر من 150 مغارة أخرى، تتنوع ما بين مقابر من العصر الفرعوني (الدولة الوسطى) استغلها الرهبان لاحقاً كصوامع للعبادة.
خامساً: المستكشفين :
لم يخرج هذا الكهف إلى النور العالمي إلا من خلال الجهود الاستكشافية الكبرى، وأبرزها رحلة جامعة كلارمونت بكاليفورنيا عام 1974 بقيادة العالم جيمس روبنسون. هذه الرحلة لم تكتفِ بالبحث عن المخطوطات، بل قامت بتصوير وتوثيق الكهف (T8) معمارياً وأثرياً، مما أنقذ نقوشه من النسيان. كما أن المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبة الوطنية بفرنسا (Arabe 4869) تشير في طياتها إلى قصص هؤلاء السواح والرهبان في تلك المنطقة.
سادساً: زمن الكهف :
١. العصر الرهباني الذهبي (القرن الرابع الميلادي)
هذا هو "الزمن الحقيقي" الذي ارتبط فيه الكهف باسم الأنبا بلامون والأنبا باخوميوس:
- بين عامي 310 م - 320 م: يُعتقد أن هذه هي الفترة التي عاش فيها الأنبا بلامون السائح في الكهف.
- عام 314 م تقريباً: هو التاريخ التقريبي الذي ذهب فيه الشاب باخوميوس (بعد تسريحه من الجيش الروماني) ليتتلمذ على يد الأنبا بلامون في هذا الجبل.
- في هذا الزمن، تحول الكهف من مجرد مغارة جبلية إلى مركز روحي ونواة للفكر الرهباني "الباخومي" الذي انتشر لاحقاً في كل العالم.
٢. زمن النقوش (القرن الخامس إلى السابع الميلادي)
- بعد وفاة الأنبا بلامون وانتشار الأديرة، استمر الرهبان والسياح في استخدام الكهف ككنيسة أو مزار.
- زمن المزامير: النقوش القبطية التي نراها اليوم على الجدران (أجزاء من المزامير) يُرجح أنها كُتبت في هذه الفترة كتبرك بالمكان وتخليداً لصلوات الرهبان الذين سكنوه.
٣. زمن الاكتشاف الحديث (القرن العشرين)
- 1945 م: هو الزمن الذي عاد فيه الجبل للواجهة العالمية مع اكتشاف "مخطوطات نجع حمادي" عند سفحه.
- 1974 م: زمن التوثيق العلمي الدقيق للكهف بواسطة بعثة جيمس روبنسون، وهو التاريخ الذي رُسمت فيه الخرائط الأثرية لـ Cave T8.
صور :
______________________
المصادر:
- Robinson, J. M. (1979): The Discovery of the Nag Hammadi Codices. The Biblical Archaeologist.
- James M. Robinson (1974): تقارير البعثة الاستكشافية لجامعة كلارمونت بكاليفورنيا.
- Bibliothèque nationale de France: المخطوطات العربية (Arabe 4869, Folio 271).
- التقليد الكنسي القبطي: سير القديسين (السنكسار) - قصة الأنبا بلامون السائح والأنبا باخوميوس.