+ تونية من القرن الخامس :
"تونية" من نسيج القباطي: عبق الحضارة المصرية في العصر البيزنطي
تُعد هذه القطعة، المعروفة كنسيج أثري (Tunis) أو "تونية"، واحدة من أروع نماذج الأزياء التي تعكس تداخل الفن المصري القديم مع الروح المسيحية المبكرة، وهي تجسد مهارة النساج المصري الذي أبهر العالم بما يُعرف بنسيج "القباطي".
١. الزمن والعصر
تعود هذه التونية إلى الفترة القبطية، وتحديداً ما بين القرن الخامس والقرن السابع الميلادي. وهي الفترة التي شهدت نضجاً كبيراً في استخدام الرموز الدينية والأسطورية المدمجة في الملابس اليومية والجنائزية.
٢. مكان العثور عليها
عُثر على معظم هذه المنسوجات في مدافن مصر الوسطى والعليا، وتحديداً في مناطق أخميم (سوهاج)، الأنصنا (أنتيوبوليس - المنيا)، والبجوات (الواحات الخارجة). هذه المناطق كانت مراكز كبرى لصناعة النسيج في العالم القديم.
٣. مادة الصنع ونوع القماش
القماش الأساسي: مصنوع من الكتان الطبيعي (Linen)، والذي كان يُزرع بكثرة في وادي النيل.
الزخارف: استُخدمت الأصواف الملونة (Wool) لتنفيذ الزخارف المعروفة بـ "التابستري" أو "القباطي".
التقنية: نُسجت الزخارف (الأشرطة والأقراص المستديرة) مباشرة داخل نسيج الكتان، وتتميز بألوانها الثابتة المستخلصة من مواد طبيعية مثل نبات "الفوه" للون الأحمر، و"النيلة" للأزرق.
٤. كيف احتفظت بجودتها لهذه المدة؟
السر وراء بقاء هذه المنسوجات الرقيقة لأكثر من 1500 عام هو مناخ مصر الجاف والتربة الرملية في المناطق الصحراوية التي أقيمت فيها المقابر. الرمال عملت على امتصاص الرطوبة ومنع تحلل الألياف الطبيعية، مما حافظ على الألوان والنسيج بحالة تقارب حالته الأصلية.
٥. الاستخدام
- في الحياة اليومية: كانت التونية هي اللباس الأساسي للرجال والنساء على حد سواء، مع اختلاف طولها وطريقة زخرفتها.
- في الطقس الجنائي: كانت تُستخدم كملابس للمتوفى (كفن فاخر)، حيث كان يُعتقد أن تزيين الملابس بالرموز (مثل الوردة أو الصليب أو أشكال الصيادين) يحمي المتوفى في رحلته للآخرة.
٦. أين تتواجد حالياً؟
توجد نماذج مطابقة لهذه القطعة في عدة متاحف كبرى، أهمها:
- المتحف القبطي بالقاهرة (جناح المنسوجات).
- متحف فيكتوريا وألبرت في لندن (مجموعة أخميم).
- متحف المتروبوليتان في نيويورك.
- متحف اللوفر في باريس.
المكان الحالي: القطعة التي في الصورة ضمن المقتنيات المعروضة في قاعة المنسوجات بالمتحف القبطي بمصر القديمة، وتحديداً القطع التي توصف بأنها "نسيج كتاني بأسلوب التابستري".
٧. رموز التونية :
شرح تفصيلي لدلالات الرموز والزخارف الموجودة على هذه التونية القبطية، والتي تُعد لغة بصرية غنية بالمعاني:
تحليل الرموز والزخارف (المداليات والأشرطة)
* الأقراص المستديرة (Medallions): تسمى في علم الآثار "كلافي" (Clavi) أو "أوربيكيولي" (Orbiculi). هذه الدوائر الموجودة أسفل التونية وعلى الأكتاف ترمز إلى التدفق والاستمرارية. في الفن القبطي، كانت هذه الدوائر غالباً ما تحتوي على مشاهد صيد أو حيوانات أسطورية ترمز للصراع بين الخير والشر.
* الأشرطة العمودية (Clavi): هي الأشرطة الممتدة من الأكتاف إلى الأسفل. تاريخياً، كانت في العصر الروماني تدل على الرتبة الاجتماعية، ولكن في العصر القبطي تحولت إلى عناصر زخرفية دينية بحتة، ترمز أحياناً إلى طريق الخلاص أو الاستقامة.
* عنصر "المزهرية" أو "الإناء": إذا نظرت بدقة إلى نهاية الأشرطة، ستجد شكلاً يشبه الكأس أو الإناء تخرج منه النباتات. هذا الرمز يُعرف بـ "إناء الحياة" أو "الفازة"، وهو رمز مسيحي مبكر يشير إلى ينبوع الحياة والخصوبة الروحية.
* الألوان (الأحمر والأزرق): استخدام اللون الأحمر (المستخلص من نبات الفوة) كان يرمز غالباً إلى الفداء أو الحيوية، بينما اللون الأزرق (المستخلص من النيلة) كان يشير إلى السمو والقداسة.
- طريقة الحفظ:
بقيت هذه الألوان زاهية لأن الصبغات الطبيعية التي استخدمها الأقباط كانت تُثبت باستخدام "المُتثبتات" مثل الشبة، مما جعلها تقاوم البهتان عبر القرون.
____________________
المصادر والمراجع:
١. كتاب "المنسوجات القبطية": تأليف لوسى واتسون، والذي يستعرض تقنيات الحياكة في أخميم.
٢. أرشيف المتحف القبطي بالقاهرة: السجلات الخاصة بقطع نسيج التابستري (القرن 5-7 م).
٣. كتاب "الفن القبطي": للدكتور باهور لبيب، الذي يتناول فلسفة الزخارف على الملابس القبطية.
٤. The Metropolitan Museum of Art: قسم الآثار القبطية، دراسات حول "Coptic Tunic with Medallions".
*********************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق