هو أقدم المخطوطات الدينية نسخة من الأناجيل الأربعة، كُتبت باللغة السريانية (لغة السيد المسيح) عام 586 ميلادية. تعود تسميته إلى الراهب "رابولا" الذي قام بخطّ هذه الكلمات في دير "مار يوحنا ببيت زغبا" الواقع بين إنطاكية وحلب في شمال سوريا.
ثانيا : مواصفات المخطوطة :
١. اللغة: كُتبت المخطوطة باللغة السريانية، وهي فرع من الآرامية.
٢. نوع الخط: استُخدم فيها خط "الأسطرنجيلي" (Estrangelo)، وهو أقدم وأفخم الخطوط السريانية، ويتميز بوضوحه وضخامة حروفه، وكان يُستخدم غالباً في كتابة المخطوطات الفاخرة.
٣. المادة: المخطوطة مصنوعة من الرق (Vellum)(جلد غزال أو ماعز معالج).، وهو جلد الحيوانات المعالج بعناية ليكون صالحاً للكتابة والرسم.
٤. القياسات: يبلغ حجم الصفحات تقريباً 34 \times 27 سم، مما يجعلها مخطوطة متوسطة إلى كبيرة الحجم بالنسبة لعصرها.
٥. عدد الصفحات: تتكون من 292 ورقة (تساوي 584 صفحة).
٦. المحتوى النصي
- تتضمن الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) حسب ترجمة البشيطتا (Peshitta).
- تحتوي على "جداول القانون" (Canon Tables) الخاصة بـ "أوسابيوس القيصري"، وهي جداول تُستخدم لمقارنة القصص المتشابهة في الأناجيل المختلفة.
٧. الزخارف والرسوم (المنمنمات)
هذا هو الجانب الأكثر تميزاً في المخطوطة، وتتصف الرسوم بـ:
* التأطير الفني: جداول القوانين محاطة بأقواس وأعمدة مزخرفة بأشكال هندسية، نباتية، وصور لطيور وحيوانات.
٨. الألوان: استخدم الفنان أصباغاً من معادن ونباتات طبيعية صمدت لأكثر من 1400 عام دون أن تفقد بريقها،مع غلبة اللون الذهبي والأحمر والأزرق الملكي.
٩.التوثيق التاريخي
ما يميز مواصفات هذا الإنجيل هو وجود "حاشية" (Colophon) في نهايته، وهي ملاحظة كتبها الخطاط نفسه (الراهب رابولا) عام 586م، يذكر فيها اسمه، وتاريخ الانتهاء من العمل، ومكان الدير، مما يجعلها وثيقة تاريخية مؤكدة لا تقبل الشك.
ثالثا : رحلة المخطوطة عبر الزمن
بدأ الإنجيل رحلته من سوريا، ثم انتقل إلى لبنان حيث حُفظ لقرون في دير "قنوبين" التابع للكنيسة المارونية. وفي القرن السادس عشر، أُهديت المخطوطة إلى دوق "توسكانا" في إيطاليا، لتستقر أخيراً في فلورنسا، في المكتبة اللورنتية (Medicea Laurenziana) تحت الرمز المرجعي (Plut. I, 56).
يعتبر هذا الإنجيل محمية كواحدة من أعظم آثار الشرق في قلب الغرب.
رابعا : أبرز الرموز الفنية ودلالاتها:
١. رمزية "الصلب والقيامة" (أشهر صور المخطوطة)
تعتبر هذه الصورة أقدم تمثيل فني يجمع بين الصلب والقيامة في صفحة واحدة، ولها رموز دقيقة:
* ثوب المسيح (Colobium): يظهر المسيح مرتدياً ثوباً أرجوانياً طويلاً وليس "مئزراً"، وهذا يرمز إلى كهنوته وملكه؛ فالأرجوان كان لون الأباطرة والملوك.
* الشمس والقمر: يظهران فوق الصليب، ويرمزان إلى مشاركة الكون كله في الحزن، وأيضاً إلى لاهوت المسيح (الشمس) وناسوته (القمر).
* العين المفتوحة: في بعض المشاهد، يصور المسيح بعينين مفتوحتين على الصليب، للدلالة على أنه "حي رغم الموت" (الانتصار على الموت).
٢. رمزية "المندالا" (الهالة المحيطة بالمسيح)
في مشهد الصعود، يظهر المسيح داخل إطار بيضاوي أو دائري يُسمى "المندالا":
* الدلالة: ترمز إلى المجد الإلهي والعالم غير المرئي.
* الملائكة: تظهر الملائكة وهي تحمل هذه الهالة، مما يشير إلى أن الصعود فعل إلهي سماوي يتجاوز قوانين الطبيعة.
٣. الرموز الحيوانية والنباتية (في جداول القوانين)
حول جداول مقارنة الأناجيل، نجد رسوماً لطيور وحيوانات لها دلالات رمزية:
* الطاووس: كان رمزاً للخلود والحياة الأبدية (بسبب الاعتقاد القديم بأن جسده لا يتحلل).
* الغزلان التي تشرب: ترمز إلى "النفس التي تشتاق إلى الله" كما في المزامير.
* الأشجار والنخيل: ترمز إلى الفردوس (الجنة) وتجدد الحياة.
٤. وضعية السيدة العذراء
في مشهد الصعود، تظهر العذراء مريم في المنتصف تماماً أسفل السيد المسيح:
* الوضعية: تقف في وضعية "الصلاة" (Orans) برفع اليدين.
* الدلالة: تمثل هنا "الكنيسة" التي تنتظر عودة عريسها (المسيح). وجودها في المحور المركزي يؤكد مكانتها الرفيعة في اللاهوت السرياني المبكر.
٥. رمزية الألوان
* الذهبي: يرمز إلى النور الإلهي والحضور المباشر لله.
* الأزرق: يرمز إلى السماء والأسرار الإلهية.
* الأحمر والأرجواني: يرمزان إلى الدم، الفداء، والسلطان الملوكي.
- ملاحظة فنية مذهلة:
الفنان الذي رسم إنجيل رابولا استخدم تقنية تسمى "المنظور الرمزي"؛ حيث لا يرسم الأشخاص بأحجامهم الواقعية، بل يرسم الشخص الأكثر أهمية (مثل المسيح) بحجم أكبر من الآخرين، ليوجه عين المشاهد مباشرة إلى جوهر القصة.
تظهر السيدة العذراء في هذه اللوحة بوقار وهي واقفة تحمل الطفل يسوع، مرتديةً رداءً أرجوانياً يرمز للقداسة، في تصميم فني سرياني فريد يبرز ملامح الأمومة والتبجيل في آن واحد.
ويظهر تجسد الله في شخصية يسوع المسيح من العذراء مريم وصار لهطببعية واحدة في طبيعتي وهما طبيعة ناسوتية وطبيعة لاهوتية
الشرح
(١) شرح المشاهد (من اليمين إلى اليسار)
جهة اليمين (من الأعلى للأسفل):
١. الشخص الذي يمسك كتاباً: هو أحد الأنبياء (غالباً إشعياء أو حزقيال) الذين تنبأوا بميلاد المسيح، ويحمل كتابه كدليل على تحقق النبوة.
٢. مشهد الميلاد: يصور السيدة العذراء وهي مستلقية بجانب المذود الذي وُضع فيه الطفل يسوع، وبحضور القديس يوسف النجار، وهو أسلوب فني بيزنطي وسرياني قديم لتصوير واقعة الميلاد.
٣. قتل أطفال بيت لحم: يظهر فيه جنود هيرودس وهم ينفذون الأمر، وهو مشهد تراجيدي وُضع هنا للإشارة إلى التضحية وبداية رحلة الآلام منذ الطفولة.
جهة الشمال (من الأعلى للأسفل):
١. الجالس على العرش: يمثل "السيد المسيح في مجده" أو "الضابط الكل"، وهو يجلس على العرش كملك وقاضٍ للعالم، تعظيماً لمكانته.
٢. مشهد العماد: يصور معمودية المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، ونلاحظ ظهور الروح القدس (على هيئة حمامة) فوق رأس المسيح.
٣. المشهد السفلي (دعوة التلاميذ أو شفاء): هذا المشهد غالباً يمثل "اختيار التلاميذ" أو "دعوة فيلبس ونثنائيل"، حيث يظهر المسيح وهو يخاطب أشخاصاً يتبعونه، ليربط بين العماد وبداية خدمته التبشيرية.
(٢) شرح الكلمات التي في الجدول
الكلمات المكتوبة داخل الأعمدة وفي أعلاها هي باللغة السريانية (الخط الأسطرنجيلي)، وهي ليست نصوصاً قرائية بل هي أرقام ورموز مرجعية:
* العناوين في الأعلى: مكتوب فيها أسماء الأناجيل (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) لتوضيح أن كل عمود يخص إنجيلاً معيناً.
* الأرقام داخل الجدول: هي "أرقام المقاطع" (Sections). فمثلاً، إذا كنت تقرأ قصة الميلاد في إنجيل متى، يخبرك الجدول بالرقم المقابل لها في إنجيل لوقا لكي تذهب وتقارن بين النصين.
* الكلمات الجانبية: هي ملاحظات قصيرة تشير إلى "رقم القانون" (Canon Number)، وهو النظام الذي ابتكره أوسابيوس لترتيب هذه التوافقات.
يظهر السيد المسيح جالساً بوقار على العرش ومحاطاً بأربعة أشخاص يمثلون الإنجيليين (أو الأنبياء أو الكائنات الغير متجسدة)، داخل هيكل مزخرف يعكس فخامة الفن السرياني وتأثيرات العمارة البيزنطية في القرن السادس."
وصف المشاهد:
' من اليمين: يظهر في الأعلى النبي حزقيال حاملاً غصناً، وتحته مشهد يمثل معجزة شفاء الأعمى أو إقامة لعازر (داخل هيكل صغير)، وفي الأسفل صورة لحيوان (أيل) يرمز للعطش إلى الله.
* - من اليسار: يظهر في الأعلى موسى النبي وهو يتسلم لوحي الشريعة، وتحته طيور تشرب من ينبوع (رمز للمؤمنين)، وفي الأسفل مشهد حيواني آخر يكمل الزينة الرمزية.
شرح الجدول والكلمات:
تتوسط الصفحة أعمدة "قوانين أوسابيوس" المكتوبة بالسريانية، وهي أرقام مرجعية للمقارنة بين الأناجيل، يعلوها قوس مزخرف بصليب مركزي وطيور ملونة، مما يجمع بين التنظيم العلمي والجمال اللاهوتي.
بما أن المخطوطة موجودة في إيطاليا، فإن معظم الدراسات التفصيلية (خاصة الفنية منها) صدرت باللغات الأجنبية:
* طبعة فاكسيميل (The Rabbula Gospels - Facsimile Edition 1959): حررها "Cecchelli" و"Furlani". هي أهم نسخة مصورة للمخطوطة مع شرح كامل لكل لوحة فنية فيها.
* كتاب "Il Tetravangelo di Rabbula" (2008): تحرير "Massimo Bernabò". وهو أحدث دراسة علمية شاملة للمخطوطة، شارك فيها مجموعة من الخبراء لتحليل الألوان، الخط، والتاريخ.
* دراسات معهد "Dumbarton Oaks": وخاصة أبحاث العالم "David H. Wright" حول تاريخ وترتيب الرسومات في الإنجيل.
٣. المواقع الرسمية والمتاحف
* مكتبة "لورينزيانا" (Biblioteca Medicea Laurenziana): الموقع الرسمي للمكتبة في فلورنسا بإيطاليا، حيث تتوفر بيانات المخطوطة تحت الرمز (Plut. I, 56).
* متحف "سميثسونيان" (Smithsonian): لديه مقالات بحثية قيمة حول "إنجيل رابولا" بوصفه أيقونة فنية بيزنطية وسريانية.
* قاموس "Gorgias" للتراث السرياني (GEDSH): يوفر مادة علمية مركزة حول المخطوطة ومكان كتابتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق