بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 29 مايو 2026

+ ملخص سفر التكوين

+ ملخص سفر التكوين 

محتويات الموضوع : 
​أولاً: بيانات السفر
​ثانياً: شخصيات السفر
ثالثاً : مقدمة السفر
رابعاً: ملخص السفر
خامساً: موضوعات لأصحاحات السفر 
سادساً: خاتمة

-----------------

​أولاً: بيانات السفر

  • كاتب السفر: التقليد الكنسي والشهادة الكتابية تؤكد أن موسى النبي هو كاتب السفر، تحت إلهام الروح القدس.
  • زمن كتابته: يُعتقد أنه كُتب خلال فترة تيه بني إسرائيل في البرية (حوالي 1446-1406 ق.م).
  • ترتيب السفر: هو السفر الأول في الكتاب المقدس، وأول أسفار موسى الخمسة.
  • عدد الأصحاحات: 50 أصحاحاً.
  • عدد الآيات: 1533 آية.
  • معنى الاسم: كلمة "تكوين" (Genesis) تعني "الأصل" أو "البداية".
  • السمة المميزة: هو سفر "الوعود"، حيث يبدأ الله في وضع خطة الخلاص للبشرية.


​ثانياً: شخصيات السفر :

  1. آدم وحواء: بداية البشرية، قصة الخلق، والسقوط في الخطية.
  2. هابيل وقايين: أبناء آدم وحواء، وبداية الصراع البشري.
  3. نوح: الشخصية المحورية في قصة الطوفان، وهو الذي حفظ نسل البشرية والحيوانات في الفلك.
  4. إبراهيم (أبو الآباء): بداية عهد الله الخاص مع عائلة محددة، وهو مثال الإيمان والوعد.
  5. سارة: زوجة إبراهيم، التي آمنت بوعد الله بإنجاب ابن في شيخوختها.
  6. إسحاق: ابن الوعد، الذي كان اختباراً لإيمان إبراهيم، وهو الجسر الذي انتقل عبره الوعد الإلهي.
  7. يعقوب (إسرائيل): ابن إسحاق، الذي صارع مع الله وتغير اسمه إلى "إسرائيل"، ومن نسله جاء الأسباط الاثنا عشر.
  8. يوسف: ابن يعقوب، الذي بيع إلى مصر، وأصبح الرجل الثاني فيها، وكان سبباً في حفظ عائلته من المجاعة وبداية استقرارهم في مصر.


ثالثاً : مقدمة السفر:

​يُعد سفر التكوين حجر الأساس لقصة الخلاص. لا يقدم السفر مجرد سرد تاريخي للبدايات، بل يكشف عن طبيعة الله الخالق، وعلاقته بالإنسان، وقصده الإلهي لاستعادة البشرية الساقطة. هو السفر الذي يضع "البذرة" لكل نبوات ووعود العهد القديم التي تكتمل في شخص السيد المسيح.

رابعاً: ملخص السفر

​ينقسم السفر إلى قسمين رئيسيين:

(١) التاريخ الأولي (الأصحاحات 1-11)

  • الخلق: خلق الله للسماوات والأرض وكل ما فيها، وخلق الإنسان على صورته.
  • السقوط: تمرد آدم وحواء على وصية الله ودخول الخطية والموت إلى العالم.
  • الطوفان: فساد الأرض ودينونة الله بالماء، واختيار نوح وعائلته للحفاظ على النسل.
  • برج بابل: كبرياء الإنسان ومحاولتهم الوصول للسماء، مما أدى إلى بلبلة اللغات وتشتت البشر.

​(٢) تاريخ الآباء (الأصحاحات 12-50)

  • إبراهيم: دعوة الله لإبراهيم (أبو المؤمنين) والوعد بأن تتبارك فيه جميع قبائل الأرض.
  • إسحاق: تحقيق وعد الله بولادة إسحاق، واختبار إيمان إبراهيم بتقديم ابنه.
  • يعقوب: صراع يعقوب لنيل البركة، وتغيير اسمه إلى "إسرائيل"، وإنجابه للاثني عشر سبطاً.
  • يوسف: قصة يوسف الذي بيع كعبد، ثم صار الرجل الثاني في مصر، ودوره في حفظ عائلته وتأسيس وجودهم في أرض مصر.


خامساً: موضوعات لأصحاحات السفر  :

القسم الأول: التاريخ الأولي (الأصحاحات 1-11)

  1. أصحاح 1: قصة الخليقة في ستة أيام.
  2. أصحاح 2: خلق الإنسان (آدم وحواء) وجنة عدن.
  3. أصحاح 3: سقوط الإنسان في الخطية وخروجه من الجنة.
  4. أصحاح 4: قايين وهابيل، وبداية نسل الأشرار والأبرار.
  5. أصحاح 5: سلسلة الأنساب من آدم إلى نوح.
  6. أصحاح 6: فساد العالم والبدء في بناء الفلك.
  7. أصحاح 7: الطوفان العظيم.
  8. أصحاح 8: انحسار المياه وخروج نوح من الفلك.
  9. أصحاح 9: عهد الله مع نوح وقوس قزح.
  10. أصحاح 10: جدول الأمم (توزيع نسل نوح).
  11. أصحاح 11: برج بابل وبلبلة اللغات.

القسم الثاني: تاريخ الآباء (الأصحاحات 12-50)

قصة إبراهيم (أصحاح 12-25):

12. أصحاح 12: دعوة إبرام (إبراهيم) ووعد الله له.

13. أصحاح 13: انفصال إبرام عن لوط.

14. أصحاح 14: انتصار إبرام واستقباله من ملكي صادق.

15. أصحاح 15: عهد الله مع إبرام بالنسل.

16. أصحاح 16: ولادة إسماعيل من هاجر.

17. أصحاح 17: عهد الختان وتغيير اسمه إلى إبراهيم.

18. أصحاح 18: زيارة الله لإبراهيم والوعد بإسحاق.

19. أصحاح 19: هلاك سدوم وعمورة وهرب لوط.

20. أصحاح 20: إبراهيم وأبيمالك.

21. أصحاح 21: ميلاد إسحاق وطرد هاجر وإسماعيل.

22. أصحاح 22: تقديم إسحاق ذبيحة (إيمان إبراهيم).

23. أصحاح 23: موت سارة ودفنها.

24. أصحاح 24: زواج إسحاق ورفقة.

25. أصحاح 25: موت إبراهيم، وولادة يعقوب وعيسو.

قصة إسحاق ويعقوب (أصحاح 26-36):

26. أصحاح 26: حياة إسحاق والآبار.

27. أصحاح 27: يعقوب يسرق بركة البكورية.

28. أصحاح 28: حلم سلم يعقوب في بيت إيل.

29. أصحاح 29: يعقوب في حاران وزواجه من ليئة وراحيل.

30. أصحاح 30: نسل يعقوب وتكاثر قطيعه.

31. أصحاح 31: هروب يعقوب من لابان.

32. أصحاح 32: مصارعة يعقوب مع الله وتغيير اسمه إلى إسرائيل.

33. أصحاح 33: لقاء يعقوب وعيسو.

34. أصحاح 34: قصة دينة في شكيم.

35. أصحاح 35: رجوع يعقوب لبيت إيل وموت راحيل.

36. أصحاح 36: أنساب عيسو (أدوم).

قصة يوسف (أصحاح 37-50):

37. أصحاح 37: يوسف وأحلامه وبيع إخوته له.

38. أصحاح 38: قصة يهوذا وثامار.

39. أصحاح 39: يوسف في بيت فوطيفار.

40. أصحاح 40: تفسير يوسف لحلمي الساقي والخباز.

41. أصحاح 41: يوسف يفسر حلم فرعون ويصبح حاكماً.

42. أصحاح 42: مجيء إخوة يوسف لمصر (المرة الأولى).

43. أصحاح 43: عودة الإخوة مع بنيامين.

44. أصحاح 44: خدعة الكأس واختبار يوسف لإخوته.

45. أصحاح 45: إعلان يوسف عن نفسه لإخوته.

46. أصحاح 46: نزول يعقوب وكل العائلة إلى مصر.

47. أصحاح 47: استقرار العائلة في أرض جاسان.

48. أصحاح 48: مباركة يعقوب لابني يوسف (أفرايم ومنسى).

49. أصحاح 49: نبوات يعقوب لأولاده الاثني عشر.

50. أصحاح 50: موت يعقوب ويوسف، ونهاية السفر.


سادسا : خاتمة :

​ينتهي سفر التكوين بوفاة يوسف، تاركاً الشعب في مصر بانتظار الوعد الإلهي بالخروج والرجوع إلى أرض الموعد. إنه سفر يبدأ بالخلق وينتهي بالأمل، ويؤكد أن الله يظل دائماً هو المدبر والراعي الذي يعمل من أجل خلاص خليقته.


***********************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

الأحد، 24 مايو 2026

+ القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص

+ القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص


نشأته:
ولد حوالي عام 315 م. بقرية  بجوار مدينة اليوتروبوليس بفلسطين من والدين يهوديين.
توفي والده وترك معه أخت فقامت بتربيته في حياة تقوية.
حدث وهو سائر في الطريق أنه أبصر فقيرًا يطلب صدقة من أحد الرهبان، وإذ لم يكن مع هذا الراهب مالًا خلع ثوبه وقدمه للفقير. رأى أبيفانيوس كأن حلة بيضاء نزلت من السماء على ذلك الراهب عوض الثوب، فتعجب من ذلك، وانطلق إلى الراهب يسأله عن إيمانه وحياته. التقى به أكثر من مرة وقبل الإيمان المسيحي واعتمد، كما اشتاق إلى الحياة الرهبانية.
أرسله الأسقف إلى دير القديس لوقيانوس وتتلمذ على يدي القديس إيلاريون (هيلاريون)، وقد تنبأ عنه معلمه أنه سيكون أسقفًا.
حياته الديرية في مصر:
لكي يتهيأ لدراسة الكتاب المقدس تعلم العبرية والقبطية والسريانية واليونانية واللاتينية، لذا دعاه القديس جيروم: "صاحب الخمسة ألسنة". وإذ كان محبًا لحياة النسك والتأمل ترك فلسطين إلى مصر حوالي عام 335 م.، ليلتقي بمجموعة من النُساك والرهبان قبل اعتزاله في دير بالإسكندرية.
إذ شعر بعض الغنوسيين بقدراته ومواهبه واشتياقاته أرادوا كسبه فأرسلوا إليه بعض النساء الزانيات ينصبن له فخاخًا، لكنه بنعمة الله لم يسقط فيها، من هنا ندرك السبب الذي لأجله كرّس طاقاته للرد على الهراطقة، أيا كانوا ومقاومتهم أينما وجدوا .

سيامته كاهنًا:
التقى بالقديس أنبا أنطونيوس وتتلمذ على يديه فترة من الوقت، ليعود من مصر إلى فلسطين وينشئ ديرًا في اليوتروبوليس تحت إرشاده لمدة حوالي 30 عامًا، وكان حازمًا جدًا مع نفسه، حتى إذ سأله أحد تلاميذه كيف يحتمل هذا النسك الذي يفوق قوته، أجابه: "الله لا يهب ملكوت السموات ما لم نجاهد، وكل ما نحتمله لا يتناسب مع الإكليل الذي نجاهد من أجله".
بجانب نسكياته الشديدة القاسية وعبادته التي لا تنقطع كرس وقتًا لدراسة كتب العلامة أوريجينوس، وإذ لاحظ أخطاءه انقلب ضده بعنف شديد حتى حسبه رأس كل بدعة في الكنيسة، وصار له دوره الفعّال في إثارة الكثيرين ضد أوريجينوس، بل استطاع فيما بعد أن يغير اتجاه القديس جيروم من عاشق لأوريجينوس بكونه عطية الله للكنيسة إلى مقاوم عنيف له بكونه شيطانًا ضد الحق.
إذ شعر أسقف المدينة بدور القديس أبيفانيوس لا بين الرهبان فحسب وإنما وسط الشعب الذي التفّ حوله يطلب إرشاداته وبركته، سامه كاهنًا لكي تزداد المنفعة به على مستوى كل الكنيسة في المدينة.
التقى أيضًا بالقديس إيلاريون (هيلاريون) الذي تنسك في مايوما بفلسطين، وتكونت صداقة عظيمة حتى ترك إيلاريون المنطقة بسبب تجمهر الناس حوله.
سيامته أسقفًا:
يبدو أن القديس هيلاريون الناسك عندما هرب إلى قبرص من جمهرة الناس حوله، جاء إليه الأساقفة والكهنة مع الشعب بقبرص يطلبون بركته فتحدث معهم عن القديس أبيفانيوس وحياته النسكية وفضائله مع عمله وغيرته على الإيمان المستقيم . وإذ تنيح أسقف سلاميس بجزيرة قبرص، أكبر كرسي في الجزيرة في ذلك الحين، اُنتخب أبيفانيوس أسقفًا وسيم بغير إرادته عام 367 م.، وقد بقى أمينًا في خدمته لمدينته الأولى يفتقدها من وقت إلى آخر.

حبه الشديد للفقراء:
اتسم القديس أبيفانيوس بغيرته الشديدة وحزمه بخصوص الإيمان المستقيم مع حب شديد فائق للفقراء، حتى لم يكن يترك في الأسقفية أحيانًا شيئا قط... ومع ذلك فقد كان الله يرسل له الكثير جدًا ليوزعه. منحته الأرملة القديسة أولمبياس أراضٍ ومالًا لهذا الغرض... ولعل محبته للفقراء قد نبعت عن أنها هي علة قبوله الإيمان المسيحي كما رأينا.
قيل أن تلميذه طلب منه مرة أن يضع حدًا لهذا العطاء، إذ لم يعد معهما شيء، وإذ انتهى التلميذ من حديثه تقدم إنسان غريب وقدم كيسًا به ذهب سلمه للأسقف واختفى في الحال.
جاء في سيرته أن أحد المخادعين جاء يسأله صدقة لتكفين صديقه الذي مات، فأعطاه المال، وهو يقول له: "اعتن به يا ابني بدفن هذا المسكين ولا تضيع الوقت في البكاء عليه، فإن رفيقك لا يقيمه بكاؤك، وليس له دواء إلا الصبر.  أخذ الطمّاع المال وذهب لصديقه ليقيمه فوجده قد مات حقا!!

تحركاته الكثيرة:
كان كثير الحركة، يحمل روح التقوى والنسك والغيرة على الإيمان أينما وُجد.
قام برحله عام 376 م. إلى إنطاكية ليسعى لتوبة الأسقف فيتاليس الذي تبع أبوليناريوس، وبعد 6 أعوام اصطحب القديس بولينوس أسقف إنطاكية إلى روما ليحضرا مجمعًا عقده الأسقف داماسيوس. لقد أقاما في بيت الأرملة باولا صديقة القديس جيروم والتي استضافها القديس أبيفانيوس بعد ثلاثة أعوام وهي في الطريق إلى فلسطين لتلحق بأبيها الروحي القديس جيروم.
في عام 392 م. نزل أيضًا ضيفًا على القديس يوحنا أسقف أورشليم، وفيما هو في استضافته إذ وقف يتكلم في الكنيسة التي للقبر المقدس، هاجم مستضيفه لأنه متعاطف مع أتباع أوريجينوس. انضم إليه جيروم في بيت لحم الذي رده عن حبه لأوريجينوس إلى مضاداته، وصارا يهاجمان الأسقف يوحنا بعنف... غير أنه يبدو أنه قد تصالح أخيرًا مع القديس يوحنا.
دخل أيضًا في صراع شديد مع القديس يوحنا الذهبي الفم بالقسطنطينية لأنه قبل الأخوة الطوال الذين جاءوا من مصر وهم أتباع أوريجينوس، الهاربين من اضطهاد البابا ثاوفيلس الإسكندري بسبب تعلقهم بأوريجينوس.
تنيح القديس أبيفانيوس في طريق عودته من القسطنطينية إلى قبرص حوالي عام 403 م. صارت له شهرته بسبب كتاباته.
تذكره الكنيسة في يوم نياحته 17 بشنس، وفي نقل جسده 28 بشنس.
كتاباته وأفكاره:
كان القديس أبيفانيوس مقاومًا للتفسير الرمزي للكتاب المقدس، حاسبًا أن المبالغة في الرمزية هي أساس كل هرطقة، وقد قاوم الرمزية بكل طاقاته في شخص العلامة أوريجينوس، . كان أيضًا من مقاومي الأيقونات، وقد كتب ثلاثة مقالات ضد الأيقونات. أما أهم كتاباته فهي:
1.  (الإنسان ذو المرساة الثابتة) يحوي تعليم الكنيسة عن الثالوث القدوس مقاومًا الأريوسيين، وعن حقيقة التجسد مقاومًا أبوليناريوس الذي أنكر وجود نفس بشرية للسيد المسيح، وعن قيامة الجسد، وعن إله العهد القديم مقاومًا أتباع ماني ومرقيون رافضي العهد القديم، كما حث على بذل كل الطاقة ليقبل الوثنيون الإيمان خلال عمل الله معهم.
2. أهم كتاب له هو "ضد الهرطقات Panarion (Adv. Hear.)" فإذ قرأ الأرشمندريتان أكاكيوس وبولس كتابه الأول طلبا منه تحليلًا مفصلًا عن الهرطقات الثمانين والرد عليها. ضم بين الهرطقات 20 هرطقة قبل المسيحية مثل المدارس الفلسفية الهيلينية.
3. كتب "الأوزان والمقاييس" لكاهن فارسي، هو أشبه بقاموس بدائي للكتاب المقدس، فيه يعالج قانون العهد القديم وترجماته، وأوزان الكتاب ومكاييله، وجغرافية فلسطين.
4. "الاثنا عشر حجرًا كريمًا" التي على صدرية رئيس الكهنة في العهد القديم. كتبه عام 394 م. كطلب ديؤور الطرسوسي. يقدم فيه تفسيرًا رمزيًا للحجارة الكريمة، ويصف عملها الطبي. ويعنى بها الاثني عشر سبطًا لإسرائيل.
5. رسائله، من بينهما رسالة للقديس يوحنا أسقف أورشليم، وأخرى للقديس جيروم، كلاهما ضد الأوريجانية.
من كلماته:
روى لنا الأسقف القديس أبيفانيوس أن بعض الغربان كانت تطير حول معبد سيرابيس في حضرة الطوباوي أثناسيوس، وكانت تنعق بلا انقطاع (كراك، كراك Cow). وإذ كان بعض الوثنيين واقفين أمام الطوباوي أثناسيوس، قالوا له: "أيها الشيخ الشرير أخبرنا بماذا تنعق هذه الغربان؟". أجابهم "إنها تقول كراك Cow التي تعني باللاتينية غدًا" ثم أضاف: "غدًا ترون مجد الله" وفي اليوم التالي وصل نبأ موت الإمبراطور يوليان...
الكنعانية تصرخ فيُسمع لها (مت 15)، ونازفة الدم تصمت فتُطوب (لو 8)، بينما الفريسي يتكلم فيُدان (مت 9)، والعشار لا يفتح فاه فيُسمع له (لو 18).
قراءة الكتاب المقدس أمان عظيم ضد الخطية.
الجهل بالكتب المقدسة هاوية عميقة وهوة عظيمة.
الله يبيع البر بثمن بخس للغاية للذين يريدون أن يشتروه: بقطعة خبز صغيرة، بثوب وضيع، بكأس ماء بارد، بفلس واحد!

+ تذكار نياحة القديس إبيفانيوس أسقف قبرص :
- السنكسار : ١٧ بشنس 
في مثل هذا اليوم من سنة 119 للشهداء ( 403م )، تنيَّح الأب العظيم القديس إبيفانيوس أسقف قبرص. وُلِدَ نحو 307م من أبوين يهوديين بفلسطين، توفي والده وتركه مع أخت له فقامت أمه بتربيته أحسن تربية، وكان والده قد ترك ثروة كبيرة. وحدث مرة وهو سائر في الطريق أنه أبصر فقيراً يطلب صدقة فلم يهتم به، بينما أبصر أحد الرهبان يخلع ثوبه ويعطيه للفقير لأنه لم يكن يمتلك غيره. في هذا الوقت رأى إبيفانيوس وكأن حلة بيضاء نزلت من السماء على هذا الراهب عوض الثوب. تعجب من ذلك وانطلق إلى الراهب وسأله عن إيمانه، فأعلمه أنه مسيحي. طلب إليه أن يرشده إلى حقائق هذا الدين فأجابه إلى طلبه وأتى به إلى أسقف المنطقة التي كانوا فيها، فعلمه ووعظه ثم عمَّده. اشتاق للرهبنة فأرسله الأسقف إلى دير القديس " لوقيانوس " فتتلمذ على يدي القديس إيلاريون (إيلاريون: أب رهبان فلسطين ومؤسس الرهبنة بها)، الذي تنبأ عنه انه سيصير أسقفاً. تعلم العبرية والقبطية والسريانية واليونانية واللاتينية، لذا دعاه القديس چيروم: " صاحب الخمسة ألسنة ". درس الكتاب المقدس. وإذ كان محباً لحياة النُسك والتأمل ترك فلسطين إلى مصر نحو سنة 335م، ليلتقي بمجموعة من النساك والرهبان قبل اعتزاله في دير بالإسكندرية. إذ شعر بعض الغنوسيين بقدراته ومواهبه واشتياقاته أرادوا كسبه، فأرسلوا إليه بعض الزانيات ينصبن له فخاخاً، لكنه بنعمة الله لم يسقط في الخطية، ومن هنا ندرك السبب الذي لأجله كرس طاقاته للرد على الهراطقة. أسس ديراً في فلسطين، وكان حازماً جداً مع نفسه حتى إذ سأله أحد تلاميذه كيف يحتمل هذا النُسك الذي يفوق قوته ؟، أجابه: " الله لا يهبنا الملكوت ما لم نجاهد، وكل ما نحتمله لا يتناسب مع الإكليل الذي نجاهد من أجله ".
شعر أسقف المدينة بدور القديس إبيفانيوس وسط شعبه الذي التف حوله يطلب إرشاداته وبركته، فرسمه كاهناً لكي تزداد الاستفادة من مواهبه. في هذه الفترة ترك إيلاريون المنطقة بسبب تجمهر الناس حوله وذهب إلى قبرص، فجاء إليه الأساقفة والكهنة والشعب يطلبون بركته، فتحدث إليهم عن إبيفانيوس ونُسكه وفضائله وعلمه وغيرته، ولما تنيَّح أسقف سلاميس بجزيرة قبرص، انتخبوا إبيفانيوس أسقفاً عليها بغير إرادته عام 367م.
تميز إبيفانيوس بغيرته وحزمه بخصوص الإيمان المستقيم مع حب شديد للفقراء، حتى أنه لم يكن يترك في دار الأسقفية أحياناً شيئاً قط، ومع ذلك فقد كان الله يرسل له الكثير جداً ليوزعه، فقد منحته الأرملة القديسة أولمبياس أراضى ومالاً لهذا الغرض. ولعل محبته للفقراء قد نبعت من أن هذه الفضيلة كانت السبب الأساسي لقبوله الإيمان المسيحي كما رأينا. وقيل إن تلميذه طلب منه مرة أن يضع حداً لهذا العطاء إذ لم يعد معهما شيء، وبعد هذا الحديث تقدم إنسان غريب وقدم كيساً من الذهب للأسقف واختفي في الحال. وجاء في سيرته أن أحد المخادعين جاء يسأله صدقة ليكفن صديقه فأعطاه ولما ذهب لصديقه وجده قد مات حقاً.
تنيَّح القديس أبيفانيوس عن عمر يناهز ست وتسعين سنة. وله أقوال كثيرة في النُسك والفضيلة منها:
(1) – قراءة الكتب المقدسة أمان عظيم ضد الخطية، والجهل بها هاوية عميقة وهوة عظيمة.
(2) – لا تحبوا متاع الدنيا فتستريحوا وتفرحوا في الآخرة. تحفظوا من لذات العالم فلا يقوى عليكم وجع الشياطين.
(3) – أيقظوا قلوبكم بذكر الله، فتخف قتالات الأعداء عنكم.
(4) – الله يبيع البر بثمن بخس للغاية للذين يريدون أن يشتروه: بقطعة خبز صغيرة، بثوب وضيع، بكأس ماء بارد، بفلس واحد.

 بركة صلواته فلتكن معنا. ولربنا المجد دائماً أبدياً آمين.

+ دفنار اليوم السابع عشر من شهر بشنس المبارك نياحة القديس ابيفانيوس أسقف قبرص :
✥طرح بلحن آدم.
التفسير: من يقدر أن ينطق بمعجزاتك أيها الراعي الطاهر. أنبا أبيفانيوس أسقف جزيرة قبرص. أيها الملتحف بالطهارة والتواضع الحقيقي.هذه كلها مع عبادات ونسكيات لا ينطق بها. منذ طفوليته أحب التعب في سيرة الرهبنة المقدسة. صرت قويًا يا من يليق له الكهنوت والتعليم الطاهر. بكت شيعة الهراطقة المخالفين وجاهدت علي الحق. علمت شعبك أن يعترفوا بالأمانة المستقيمة الأرثوذكسية. ودمت إلي التمام بغير اعوجاج ولا تغيير. بالاعتراف الذي لأبائنا القديسين. وأيضًا استحققت سماع صوت ربنا يسوع مثل بطرس إذ قال أنت هو بطرس أسقفي. وأنا أبني بيعتي علي هذه الصخرة. وأبواب الجحيم لا تقوي عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوتي. وما ربطه علي الأرض يكون مربوطًا في السموات. وما حللته علي الأرض يكون محلولا في السموات بصلوات هذا الأب يا رب أنعم لنا بغفران خطايانا.

✥طرح بلحن واطس.
التفسير: أبونا القديس أبيفانيوس. تبع المسيح يسوع. وحمل صليبه. واشتد للحرب. أي لسان لحمي يقدر أن يمدحه. ويقص كرامته. وعظم عباداته. لأنه صار منذ صغره. محبًا للسيرة المقدسة التي للرهبنة. وعبادة الإله. وترك عنه العالم وشهواته الكثيرة. وفرق أمواله كلها علي المساكين. وأبونا القديس ابيفانيوس أسقف قبرص. نال الروح القدس مثل الرسل. وأبرأ كل مرض وكل وصب من الشعب. وأخرج الشياطين بقوة المسيح. ولما علم أبونا القديس انه ينتقل ويخرج من هذا العالم. ويمضي إلأي أماكن النياح. فدعا شعبه وأوصاه. وثبته علي الإيمان المسيحي. وأسلم روحه بيد الرب. وأكمل سعيه بفرح وتهليل. وعيد مع القديسين في كورة الأحياء. هذا نكمل تذكاره ممجدين لمخلصنا. هذا الذي أظهر لنا هذا الراعي العظيم. والآن فلنصرخ لمخلصنا الصالح. بصلوات معلمنا أبينا القديس ابيفانيوس. أطلب من الرب عنا يا رئيس الكهنة العظيم ابيفانيوس ليغفر لنا خطايانا.

************************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

الأربعاء، 20 مايو 2026

+ صعود يسوع المسيح الي السماء بين النص الكتابي والأثر التاريخي ومقارنة بين (الصعود في المسيحية والرفع في الاسلام)

+ صعود يسوع المسيح الي السماء 

 بين النص الكتابي والأثر التاريخي ومقارنة بين (الصعود في المسيحية والرفع في الاسلام) 
- محتويات الموضوع : 
مقدمة
أولاً: أحداث الصعود من الكتاب المقدس
​ثانياً: تحليل معجزة الصعود (البُعد اللاهوتي والروحي)
​ثالثاً:  الصعود وإرسال الروح القدس (يوم الخمسين/العنصرة)
​رابعاً: نبوات ورموز العهد القديم عن صعود المسيح
خامساً : مقارنة الصعود في المسيحية والرفع في الإسلام
سادساً : الصعود والمجيء الثاني (الباروسيا)
سابعاً: مكان الصعود 
ثامناً : عيد الصعود والطقوس الليتورجية المرتبطة به.
مصادر ومراجع

--------------------

مقدمة : 

يُعد صعود السيد المسيح إلى السماء حدثاً تاريخياً وعقائدياً محورياً، حظي باهتمام بالغ في الفكر اللاهوتي والتاريخ الأثري والدراسات الدينية المقارنة. فهو لا يُمثل مجرد ظاهرة خارقة للطبيعة أو نهاية فيزيائية لرسالة دنيوية، بل هو حدث مفصلي يحمل أبعاداً خلاصية عميقة، ويرتبط بارتباطات وثيقة بالعهود والوعود الإلهية للبشرية، فضلاً عن كونه يشكل حجر زاوية في فهم طبيعة العلاقة بين الأرض والسماء. وتأتي دراسة هذا الحدث لتسليط الضوء على جوهره المعجزي، وتتبع أثره الجغرافي القائم، واستكشاف قراءاته المتنوعة بين الأديان لتشكيل رؤية واضحة وموضوعية حول مكانته في التاريخ الإنساني والديني.

======================

أولاً: أحداث الصعود من الكتاب المقدس

​وقع حدث الصعود بعد 40 يوماً من قيامة السيد المسيح من بين الأموات، وخلال هذه الفترة ظهر لتلاميذه في مناسبات مختلفة ليثبت قيامته ويعلمهم عن ملكوت الله.


١. المواضع الكتابية للحدث

​ذكر الحدث باختصار في ختام إنجيلي مرقس ولوقا، وفُصِّل بشكل أكبر في سفر أعمال الرسل (الذي كتبه لوقا البشير أيضاً):

  • إنجيل لوقا (24: 50-53): "وأخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم، انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء..."
  • إنجيل مرقس (16: 19): "ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله".
  • أعمال الرسل (1: 9-11): وهو النص الأكثر تفصيلاً.

٢. التسلسل الزمني للأحداث (حسب سفر الأعمال)
  • التجمع الأخير: جمع المسيح تلاميذه على جبل الزيتون (بالقرب من بيت عنيا).
  • الوصية الأخيرة ووعد الروح القدس: أوصاهم ألا يبرحوا أورشليم بل ينتظروا "موعد الآب" (حلول الروح القدس)، وقال لهم: "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً..." (أعمال 1: 8).
  • الارتفاع: ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم.
  • ظهور الملاكين: فيما كان التلاميذ يشخصون إلى السماء وهو منطلق، ظهر رجلان بلباس أبيض (ملاكان) وقالا: "أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء" (أعمال 1: 11).
======================

​ثانياً: تحليل معجزة الصعود (البُعد اللاهوتي والروحي)

​لا يُنظر إلى الصعود في المسيحية مجرد "انتقال مكاني" من الأرض إلى طبقات الجو، بل هو حدث ذو أبعاد لاهوتية عميقة:

١. طبيعة الجسد المُمجّد

​المسيح لم يصعد بروح مجردة، بل بجسده القيامي المُمجّد (الجسد الذي قام به من القبر والذي لم يعد خاضعاً لقوانين المادة والجاذبية). هذا يعني أن الطبيعة البشرية (الجسد) قد دَخلت إلى المجد الإلهي وجلست عن يمين الآب.


٢. مفهوم "الجلوس عن يمين الله"

​عبارة مجازية لاهوتية لا تعني مكاناً جغرافياً (لأن الله روح غير محدود)، بل تعني:

  • المساواة في القدرة والمجد بين الآب والابن.
  • إتمام عمل الفداء: انتهاء رسالة المسيح على الأرض كفادٍ ومخلص، وبدء مرحلة شفاعته الكفارية الدائمة عن البشر.

٣. السحابة كرمز إلهي

​السحابة في الكتاب المقدس (في العهدين القديم والجديد) ترمز دائماً إلى الحشد الإلهي والمجد (الشكينة). فكما ظهر الله في سحاب على جبل سيناء وفي تجلي المسيح، كانت السحابة في الصعود علامة على دخوله إلى المجد الإلهي الحجبي.


======================

​ثالثاً: الصعود وإرسال الروح القدس (يوم الخمسين/العنصرة)

​يرتبط حدث صعود السيد المسيح إلى السماء بحدث حلول الروح القدس في يوم الخمسين (عيد العنصرة) ارتباطاً لاهوتياً وعضوياً وثيقاً، حيث يُنظر إلى الصعود في الفكر المسيحي باعتباره "العلة والشرط الأساسي" لفيض الروح القدس على التلاميذ وتأسيس الكنيسة الأولى. ويمكن فهم أبعاد هذه العلاقة من خلال النقاط التالية:

١. الصعود كشرط لإرسال الروح القدس (وعد المسيح)

​خلال حديثه الوداعي مع تلاميذه قبل الصلب، أكد السيد المسيح بوضوح أن انطلاقه وصعوده هما البوابة الضرورية لإرسال الروح القدس؛ حيث قال لهم في إنجيل يوحنا (16: 7): "إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي (الروح القدس)، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ".

هذا الوعد يعني لاهوتياً أن رسالة المسيح بالجسد على الأرض كانت محدودة بمكان وزمان معينين، أما صعوده وجلوسه في المجد يتيحان إرسال الروح القدس غير المحدود، ليسكن في قلوب المؤمنين في كل مكان وزمان، محولاً حضور المسيح معهم إلى حضور دائم في داخلهم.


٢. التسلسل الزمني بين الحدثين

​أوصى المسيح تلاميذه قبل صعوده مباشرة على جبل الزيتون ألا يغادروا أورشليم، بل أن ينتظروا تحقيق "موعد الآب"، قائلاً لهم: "لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ" (أعمال 1: 5).

وبالفعل، بعد صعود المسيح، دخل التلاميذ في فترة صلاة واعتكاف دامت عشرة أيام في "العِلّيّة" برفقة مريم العذراء، وفي اليوم الخمسين للقيامة (والعاشر للصعود)، حلّ الروح القدس عليهم بغتة كشبه ألسنة من نار وهبوب ريح عاصفة.


٣. البُعد اللاهوتي (التتويج وفيض العطايا)

​في المفهوم اللاهوتي، يُعتبر يوم الخمسين هو النتيجة المباشرة لـ "جلسة التتويج" للمسيح في السماء بالجسد. فعندما صعد المسيح البار والمنتصر وقدّم فداءه المقبول أمام الآب، فاضت السموات بأسمى عطاياها للبشرية وهي الروح القدس.

وهذا ما شرحه القديس بطرس الرسول في عظته الشهيرة يوم الخمسين عندما قال لليهود المجتمعين: "وَإِذِ ارْتَفَعَ (المسيح) بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمْ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ" (أعمال 2: 33).


٤. التحول الجذري للتلاميذ وتأسيس الكنيسة

​كان الصعود هو نهاية عهد "العيان البشري" للمسيح، بينما كان يوم الخمسين هو بدء عهد "الإيمان والشهادة" بقوة الروح القدس. هذا الارتباط أحدث تحولاً كلياً في التلاميذ:

  • من الخوف إلى الشجاعة: التلاميذ الذين كانوا يختبئون وراء الأبواب المغلقة خوفاً، انطلقوا بعد حلول الروح القدس ليجاهروا بالبشارة والقيامة أمام الرؤساء والشعوب دون خوف.
  • تأسيس الكنيسة: في هذا اليوم اعتمد نحو ثلاثة آلاف نفس بعد عظة بطرس، ليولد رسمياً جسد الكنيسة الروحاني المشحون بقوة فائقة للطبيعة.
  • موهبة الألسنة: نال التلاميذ القدرة على التحدث بلغات الشعوب المختلفة المحتشدة في أورشليم، لتبدأ رسالة الإنجيل في الانطلاق من أورشليم إلى كل أركان الأرض تحقيقاً لوصية الصعود: "وتكونون لي شهوداً".


======================

رابعاً : نبوات ورموز العهد القديم عن صعود المسيح

​لم يكن حدث صعود السيد المسيح إلى السماء مفاجئاً أو وليد اللحظة في الفكر الكتابي، بل أسس له الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم قبل حدوثه بمئات السنين من خلال مجموعتين رئيسيتين: النبوات المباشرة في المزامير والأنبياء، والرموز والشخصيات التاريخية التي سبقت المسيح.

١. النبوات المباشرة في المزامير والأنبياء

  • نبؤة مزمور (68: 18): يُعد هذا المزمور من أقوى النبوات المباشرة التي اقتبسها القديس بولس الرسول لاحقاً في العهد الجديد (في الرسالة إلى أفسس) لإثبات الصعود؛ حيث يقول المزمور: "صَعِدْتَ إِلَى الْعَلاَءِ. سَبَيْتَ سَبْياً. قَبِلْتَ عَطَايَا بَيْنَ النَّاسِ". تشير النبؤة إلى صعود المسيح المنتصر إلى السماء بعد أن سبى الموت والشيطان (السبت)، وفتح الباب لفيض عطايا ومواهب الروح القدس على البشر.
  • نبؤة مزمور (24: 7-10): يصوّر المزمور حواراً نبوياً رائعاً ومبهجاً بين الملائكة المواكبين للمسيح الصاعد وملائكة أبواب السماء، حيث يقول: "ارْفَعْنَ أَيَّتُهَا الأَبْوَابُ رُؤُوسَكُنَّ، وَارْتَفِعْنَ أَيَّتُهَا الأَبْوَابُ الدَّهْرِيَّاتُ، فَيَدْخُلَ مَلِكُ الْمَجْدِ". وتتساءل الحراسة السماوية: "مَنْ هُوَ هَذَا مَلِكُ الْمَجْدِ؟"، فترد الملائكة الصاعدة: "الرَّبُّ الْقَدِيرُ الْجَبَّارُ، الرَّبُّ الْجَبَّارُ فِي الْقِتَالِ". وهي إشارة لدخول الجسد البشري للمسيح المنتصر من أبواب السماء الدهرية التي لم تكن مفتوحة للبشر من قبل.
  • نبؤة مزمور (110: 1): وهي النبؤة التي استشهد بها المسيح نفسه لإفحام الفريسيين، ويقول فيها داود النبي بروح النبوة: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ". هذه الآية تشير بوضوح إلى مرحلة ما بعد الصعود، وهي جلوس المسيح بالجسد في مقام المساواة والمجد الإلهي (عن يمين الآب).
  • نبؤة مزمور (47: 5): يتحدث المزمور بروح الفرح والتهليل عن صعود الرب قائلاً: "صَعِدَ اللهُ بِهُتَافٍ، الرَّبُّ بِصَوْتِ الصُّورِ"، وهو ما تحقق حرفياً بابتهاج التلاميذ والملائكة عند حدوث الصعود.
  • نبؤة سفر دانيال (7: 13-14): يرى دانيال النبي في رؤياه صعود "ابن الإنسان" (وهو اللقب المفضل للمسيح) على السحاب ليُقدّم أمام الآب، حيث يقول: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً".

٢. الرموز والشخصيات الرمزية (الظلال)

​بالإضافة إلى الكلمات والنبوات، قدّم العهد القديم أحداثاً وشخصيات اعتُبرت "ظلالاً" ورموزاً ممهدة لصعود المسيح، مع فارق جوهري وهو أن هذه الشخصيات رُفعت بقوة وعمل إلهي خارجي، أما المسيح فقد صعد بسلطانه الذاتي وقوته الإلهية:

  • أخنوخ البار: يذكر سفر التكوين (5: 24) عن أخنوخ أنه "سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ". كان اختطاف أخنوخ حياً إلى السماء رمزاً مبكراً جداً في تاريخ البشرية يُثبت أن الأرض ليست المستقر النهائي للإنسان البار، وتوطئة لفكرة الصعود بالجسد.
  • إيليا النبي: يُعد صعود إيليا في المركبة النارية والخيول النارية في سفر الملوك الثاني (2: 11) من أشهر الأحداث الرمزية؛ حيث ارتفع إيليا في عاصفة إلى السماء أمام عيني تلميذه أليشع، تماماً كما ارتفع المسيح أمام أعين تلاميذه. وكما نال أليشع ضعفاً من روح إيليا بعد صعوده، نال تلاميذ المسيح قوة الروح القدس بعد صعود الرب.
  • رئيس الكهنة يوم الكفارة العظيم: في الطقس اليهودي (سفر اللاويين 16)، كان رئيس الكهنة يدخل مرة واحدة في السنة إلى "قدس الأقداس" (خلف الحجاب) حاملاً دم الذبيحة ليكفر عن الشعب. هذا الطقس كان رمزاً نبوياً؛ فحجاب الهيكل يرمز للسموات، ودخول رئيس الكهنة يرمز لصعود المسيح (رئيس الكهنة الأعظم) ودخوله بجسده ودمه الأقدس إلى السماء عياناً ليشفع في البشرية شفاعة كفارية دائمة.


======================

خامساً : مقارنة الصعود في المسيحية والرفع في الإسلام

​يتشابه المنظوران المسيحي والإسلامي في أن المسيح (عيسى) قد رُفع إلى السماء، لكنهما يختلفان جوهرياً في التوقيت، والسبب، واللاهوت المحيط بالحدث.

١. من حيث التوقيت والأحداث السابقة

- ​في المسيحية: يأتي الصعود كحلقة أخيرة في سلسلة أحداث الفداء؛ حيث صعد المسيح إلى السماء بعد 40 يوماً من قيامته الفعلية من بين الأموات، وبعد أن صُلِب ومات ودُفِن في القبر وحقّق النصرة على الموت.

​- في الإسلام : فإن الرفع قد حدث قبل الموت وبديلاً عن الصلب؛ حيث جاء الرفع لإنقاذ نبي الله عيسى من مؤامرة القتل والصلب التي دبرها اليهود، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ و﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.

٢. من حيث طبيعة الجسد الـمُرْتَفِع

- ​تؤمن المسيحية أن المسيح صعد بـ "جسده القيامي المُمجّد"، وهو الجسد المادي الذي قام به من القبر بعد أن تطهر من الضعف البشري، ولم يعد خاضعاً لقوانين المادة والجاذبية، ليدخل بهذا الجسد إلى المجد الإلهي ويجلس عن يمين الآب (أي يتساوى معه في القدرة والمجد).

- ​بينما يرى جمهور المفسرين في الإسلام أن عيسى بن مريم رُفِع بجسده وروحه البشرية الدنيوية وهو حي إلى السماء، ليبقى هناك حياً بطبيعة بشرية كرمها الله بالرفع، دون أن يمر بتجربة الموت بعد.

٣. من حيث الهدف والغاية من الحدث

- ​الغاية من الصعود في الفكر المسيحي هي تتويج عمل الخلاص، وتمجيد الطبيعة البشرية بجعلها تجلس في الأعالي، بالإضافة إلى كونه شرطاً أساسياً لإرسال الروح القدس (المعزي) ليتولى قيادة الكنيسة وتلاميذ المسيح على الأرض، وبدء مرحلة شفاعته الكفارية الدائمة عن البشر.

- ​أما الغاية من الرفع في الفكر الإسلامي، فهي تكريم وتنزيه ونصرة نبي الله عيسى، وحمايته من الإهانة والقتل التي أرادها له أعداؤه، وإظهار قدرة الله المطلقة في معجزة إنقاذه.

٤. من حيث العودة المستقبلية للأرض

- ​يتفق المنظوران على أن المسيح سيعود ثانية إلى الأرض، لكن مع اختلاف طبيعة العودة؛ ففي المسيحية سيعود المسيح في نهاية الأيام "بالمجئ الثاني" الديان العادل، حيث يأتي بمجد عظيم على السحاب ليدين الأحياء والأموات ويملك إلى الأبد.

- ​أما في الإسلام، فإن نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان هو علامة من علامات الساعة الكبرى، حيث ينزل كحاكم عادل يحكم بشريعة الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويعيش في الأرض فترة ثم يموت ميتة طبيعية ويُدفن كباقي البشر.


======================

سادساً : الصعود والمجيء الثاني (الباروسيا)

​يرتبط حدث صعود السيد المسيح ارتباطاً وثيقاً بعقيدة المجيء الثاني، والتي تُعرف في اللاهوت المسيحي والمصطلحات اليونانية باسم "الباروسيا" (Parousia) (وتعني الحضور أو الظهور الفعلي). ففي الفكر المسيحي، لا يُعتبر الصعود غياباً أبدياً للمسيح عن الأرض، بل هو خطوة انتقالية تمهد لعودته الأخيرة والمجيدة في نهاية التاريخ لإتمام خطة الله للبشرية.

​ويمكن تفصيل العلاقة اللاهوتية والكتابية بين الصعود والمجيء الثاني في النقاط التالية:

١. شهادة الملاكين (الرابط الكتابي المباشر)

​أول وأقوى رابط بين الحدثين جاء على لسان الملاكين اللذين ظهرا للتلاميذ في لحظة الصعود ذاتها؛ فبينما كان التلاميذ يشخصون بنظرهم نحو السماء بذهول وحزن لارتفاع المسيح، قال لهم الملاكان: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ" (أعمال الرسل 1: 11).

هذه العبارة أسست ليقين كنسي بأن "طريقة الصعود" هي ذاتها المفتاح لفهم "طريقة العودة".

٢. أوجه التشابه بين الصعود والعودة (الباروسيا)

​بناءً على النبوات وشهادة العهد الجديد، هناك سمات مشتركة تربط بين كيفية صعود المسيح وكيفية مجيئه الثاني:

  • المجيء على السحاب: صعد المسيح وأخذته سحابة عن أعين التلاميذ، وبالمثل يؤكد العهد الجديد أن مجيئه الثاني سيكون على السحاب؛ كما جاء في سفر الرؤيا (1: 7): "هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ".
  • الظهور الحقيقي والمنظور: لم يكن الصعود حدثاً سرياً أو روحياً مجرداً، بل كان حدثاً واقعياً عياناً رآه التلاميذ المنظورون. وبذات الطريقة، لن يكون المجيء الثاني سرياً، بل سيكون علنياً يراه العالم أجمع في وقت واحد.
  • الحضور الملائكي: صعد المسيح محاطاً بالملائكة (كما جاء في نبوات المزامير وظهور الملاكين)، وسيعود أيضاً في مجيئه الثاني محاطاً بربوات من ملائكته وقديسيه.

٣. الفروق الجوهرية بين الصعود والمجيء الثاني

​على الرغم من تشابه الكيفية، إلا أن هناك اختلافاً تاماً في الغاية والظروف بين الحدثين:

  • من حيث المجد والقوة: في الصعود، ارتفع المسيح بهدوء ووداعة أمام مجموعة صغيرة مختارة (التلاميذ)، أما في المجيء الثاني فسوف يأتي بمجد أبيه العظيم وقوة فائقة ترتعد منها الأرض، وتسبقه علامة ابن الإنسان في السماء.
  • من حيث الوظيفة (الفداء ضد الدينونة): صعد المسيح بعد أن أتم عمل الفداء وفتح باب التوبة والشفاعة للبشر، أما في مجيئه الثاني فلن يأتي ليصنع فداءً أو يُصلب ثانية، بل سيعود بصفته "الديان العادل" ليدين الأحياء والأموات، ويعطي كل واحد كنحو عمله.
  • النهاية الزمانية: الصعود كان تدشيناً لزمن الكنيسة والشهادة (عصر النعمة)، أما المجيء الثاني فهو نهاية هذا الزمان الحاضر، وبداية ملكوت الله الأبدي (السماء الجديدة والأرض الجديدة).

٤. البُعد الروحي والطقسي في الكنيسة

​هذا الرابط بين الصعود والباروسيا ينعكس بشكل يومي في العبادة المسيحية:

  • الصلوات الطقسية: في طقس "قانون الإيمان" المشترك بين الكنائس، يُذكر الحدثان متتاليين مباشرة: "...وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه، وأيضاً يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات...". وفي القداس الإلهي، يصلي الكاهن قائلاً: "فإذ نصنع ذكرى آلامه المقدسة، وقيامته... وصعوده إلى السموات... وظهوره الثاني المخوف المخوف المجيد...".
  • حياة السهر والانتظار: ترك الصعود في قلوب المؤمنين الأوائل رجاءً حياً، فالمسيحي لا ينظر إلى السماء بحزن على غياب المسيح، بل برجاء ترقباً لعودته. وأصبحت العبارة الصلاة الشهيرة للكنيسة الأولى هي: "ماران آثا" (تعني: ربنا آتٍ).


======================

سابعاً : مكان الصعود :

​١. الموقع الجغرافي والبيئة المحيطة

​تقع كنيسة الصعود (المعروفة أيضاً بمصلى أو مزار الصعود، وتحولت لاحقاً إلى مسجد الصعود) في القدس الشرقية، وتحديداً في أعلى قمة جبل الزيتون ببلدة الطور.

  • الارتفاع: ترتفع حوالي 830 متراً عن مستوى سطح البحر.
  • الإطلالة: تشرف من جهة الغرب على منظر بانورامي للبلدة القديمة، والحرم القدسي الشريف، والمسجد الأقصى، بينما تطل من جهة الشرق على برية يهودا والبحر الميت.
  • المكانة: يُعتبر هذا الموقع بحسب التقليد المسيحي المبكر، وما ورد في سفر أعمال الرسل، المكان التاريخي الذي صعد منه السيد المسيح إلى السماء ممجداً بعد أربعين يوماً من قيامته.

٢. التسلسل التاريخي والمعماري للموقع (أربع مراحل رئيسية)

​مرّ الموقع الأثري بتغيرات معمارية وسياسية كبرى عبر العصور، تلخصت في المراحل التالية:

​أ. الفترة المسيحية المبكرة (ما قبل البناء العلني)

​قبل القرن الرابع الميلادي، وبسبب الاضطهاد الروماني المستمر للمسيحيين، لم يكن هناك أي بناء ظاهر على الجبل. بالرغم من ذلك، كان المسيحيون الأوائل يجتمعون سراً في مغارة قريبة على الجبل لإحياء ذكرى الصعود.

​ب. الفترة البيزنطية (القرنين الرابع والسابع الميلادي)

  • البناء الأول (عام 392 م): بعد صدور براءة ميلان واعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية، قامت سيدة مسيحية تقية تُدعى "بومينيا" (Poimenia) (وفي بعض الروايات التاريخية ارتبط البناء أيضاً بالملكة هيلانة) ببناء الكنيسة الأولى في هذا الموقع.
  • التصميم المعماري البيزنطي: بُنيت الكنيسة على هيئة "روتندا" (Rotunda) وهو مبنى مستدير الشكل ومفتوح السقف (بدون سقف) ليشير إلى طريق السماء المكشوف. كان يتوسط البناء برج يحفظ بداخله التراب والصخرة التي وقف عليها المخلص، ويحيط بالموقع سور ضخم ما زالت بقايا قاعدة أحد أعمدته الرخامية الضخمة باقية كأثر شاهق حتى اليوم داخل السور المحيط الحالي.
  • الدمار الفارسي والترميم (614 م): اجتاح كسرى ملك الفرس المنطقة ودمر جميع الأديرة والكنائس في القدس (ما عدا كنيسة المهد)، وقتل عدداً كبيراً من المسيحيين من بينهم 400 راهبة من دير جبل الزيتون. لاحقاً، أعاد البطريرك البيزنطي موديستوس ترميم الكنيسة وإعادتها لتصميمها الدائري.

​ج. الحقبة الإسلامية المبكرة والفترة الفاطمية (638 م – 1009 م)
  • ​بعد دخول المسلمين إلى القدس عام 638 م، حُظي الموقع بمكانة لاهوتية نظراً لذكر واقعة رفع المسيح في الإسلام، وتذكر المصادر التاريخية إقامة مصلّى أو جامع يحمل اسم الخليفة عمر بن الخطاب في المنطقة مجاوراً للموقع، مع إزالة الصليب الذي كان يعلو المزار المفتوح.
  • الهدم الفاطمي (1009 م): أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بهدم الكنائس في أراضي خلافته، وطال الهدم كنيسة وقبة الصعود البيزنطية بالكامل، وهو الحدث التاريخي الذي كان من الأسباب المباشرة لاندلاع الحروب الغربية (الصليبية) نحو أورشليم لحماية المقدسات.

​د. الفترة الصليبية/ الغربية (القرن الثاني عشر الميلادي)
  • إعادة البناء (1152 م): عندما سيطر الصليبيون على القدس، وجدوا الكنيسة البيزنطية مدمّرة، فأعادوا بناء الموقع على أنقاض القديم ولكن بتصميم جديد ومحصن.
  • التصميم المعماري الصليبي: شيدوا بناءً ضخماً مسوراً ومحصناً بالأبراج، وفي مركزه بنوا مصلى مثمن الأضلاع (The Edicule) مفتوح الجوانب عبر أقواس ترتكز على أعمدة مميزة بتيجان مزخرفة بالطراز الرومانسكي الفريد، وكان المبنى من الداخل يضم مذبحاً تحته الصخرة المقدسة، وظل السقف مفتوحاً باتجاه السماء.

​هـ. الفترة الأيوبية، المملوكية والعثمانية (تحويله لمسجد - 1187 م فصاعداً)
  • العهد الأيوبي (1187 م - 1200 م): بعد استعادة صلاح الدين الأيوبي للقدس عام 1187 م، تحولت ملكية الموقع عام 1198 م إلى وقف إسلامي. ونظراً لمكانة المسيح (عيسى بن مريم) الرفيعة في الإسلام، حُوّل المزار الصليبي المثمن إلى مسجد (أُطلق عليه مسجد الصعود).
  • التعديلات المعمارية الإسلامية:
    1. ​أضاف المسلمون سقفاً مغلقاً تعلوه قبة للمصلى المثمن عام 1200 م لحماية المكان من العوامل الجوية.
    2. ​أغلقوا المداخل المفتوحة بين الأقواس الصليبية بالجدران الحجرية.
    3. ​أضافوا محراباً لجهة القبلة في الداخل.
    4. ​وُضع عمود رخامي في أعلى القبة بدلاً من الصليب، كرمز بجعل المزار مكاناً مؤهلاً لصلاة جميع المؤمنين من مختلف الأديان.
  • العهد المملوكي والعثماني: استمر الموقع كمسجد، وفي عام 1620 م (أثناء الحقبة العثمانية) بُني جامع جديد ملاصق للموقع الخارجي تعلوه مئذنة شهيرة تظهر في الصور الحديثة للموقع.
  • تعديلات عام 1835 م: تم إدخال ترميمات وإغلاق إضافي لبعض النوافذ والجدران بين الأعمدة وإحكام السقف بشكل كامل كما هو قائم اليوم.
  • التوسع الإقليمي (1870 م): قامت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ببناء دير الصعود الروسي الكبير ببرجه المرتفع الشهير في مكان قريب جداً على جبل الزيتون تخليداً لنفس الذكرى.
​٣. الأهمية الأثرية والرمزية في الداخل: (أثر القدم والصخرة)
  • الصخرة المقدسة: يتوسط المصلى المثمن من الداخل صخرة أساس بارزة من الأرض الطبيعية، وهي الصخرة التي تشير التقاليد التاريخية (منذ القرن الرابع على الأقل) أنها البقعة الأخيرة التي لمستها قدما السيد المسيح قبل صعوده.
  • أثر القدم: تحتوي الصخرة على تجويف طبيعي يمثل أثر القدم اليمنى للسيد المسيح محاطاً بإطار رخامي لحمايته وصونه.
  • أثر القدم اليسرى: تذكر التقارير التاريخية القديمة (مثل مذكرات الحاج الغربي "أركولف" في القرن السابع) أن أثر القدمين (اليمنى واليسرى) كانا ظاهرين على الصخرة والتراب، ولكن خلال العصور الوسطى (الفترة الصليبية أو الأيوبية) تم قطع ونقل الجزء الذي يحمل أثر القدم اليسرى ونُقل إلى المسجد الأقصى المبارك (حيث يُعرف هناك في المصلى الـمرواني أو بقبة الصخرة بأثر قدم عيسى).
​٤. الوضع القانوني الحالي وإدارة الموقع (الوضع الراهن - Status Quo)

​يخضع مزار وكنيسة الصعود لقانون "الوضع الراهن" (Status Quo) الدولي الصارم الذي ينظم إدارة الأماكن المقدسة المشتركة في القدس:

  • الملكية والإشراف: من الناحية القانونية والملكية، يتبع الموقع لوزارة الأوقاف الإسلامية. وتتولى عائلة "أبو غنام" المقدسيّة (من بلدة الطور) تاريخياً وحالياً الإشراف اليومي على القبة والمحافظة على ممتلكاتها وفتحها للزوار.
  • الاستخدام الروحي والسياحي: المزار مفتوح بانتظام كعلم روحي وأثري لجميع السياح والحجاج من كافة الأديان حول العالم.
  • حقوق الطوائف المسيحية: نالت الطوائف المسيحية اعترافاً وصلاحيات رسمية وموثقة منذ عام 1461 م بإقامة الصلوات داخل هذا المزار الأثري.
  • مظاهر الاحتفال السنوي بعيد الصعود: سنوياً، في عشية وبوم "عيد الصعود" (بعد 40 يوماً من عيد القيامة)، تتوجه طوائف (الفرنسيسكان/اللاتين، الروم الأرثوذكس، الأرمن، الأقباط، والسريان) إلى الموقع. يُسمح لهم بنصب خيام خاصة ومذابح مؤقّتة في الساحة الخارجية للمزار لإقامة القداسات الإلهية الرسمية كل طائفة بحسب تقويمها الخاص، ويقضي الرهبان والمؤمنون ليلتهم هناك في سهرانية صلاة ممتدة تذكاراً للحدث. 
======================

ثامناً: عيد الصعود (التقاليد والطقوس)

​يُعتبر عيد الصعود من الأعياد السيدية الكبرى في الكنيسة المسيحية (شرقية وغربية).

موعد العيد: يُحتفل به دائماً يوم الخميس (بعد 40 يوماً من أحد القيامة/عيد الفصح). ولذلك يُسمى بـ "خميس الصعود".

الفترة الطقسية: يمثل نهاية فترة "الخمسين المقدسة" طقسياً (حيث تتوقف ألحان القيامة الفرحية تدريجياً للاستعداد لعيد العنصرة/حلول الروح القدس بعد 10 أيام من الصعود).

المظاهر والطقوس:

* ​في القداسات، تُقرأ النصوص الخاصة بالصعود وتُرتل ألحان الفرح.

* ​في بعض التقاليد الكنسية القديمة (مثل الكنيسة القبطية)، يتم عمل "دورة القيامة والصعود" حيث يطوف الشمامسة والكهنة الأيقونات في الكنيسة تذكاراً لظهورات المسيح وصعوده.

* ​يُعتبر العيد تمهيداً لفتح باب الرجاء للبشرية بدخول السماء.


الطقوس الليتورجية المرتبطة به

الكنيسة الأرثوذكسية (سواء الشرقية مثل الروم الأرثوذكس، أو المشرقية مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية) تمتلك نظاماً طقسياً وصلوات خاصة وعميقة جداً تابعة لعيد الصعود.

​في الليتورجيا (الطقوس) الأرثوذكسية، لا يُحتفل بالصعود ليوم واحد فقط، بل يمتد الاحتفال به طقسياً لعدة أيام، وتتميز صلواته بالتركيز على البعد اللاهوتي ومشاركة الملائكة للبشر في الفرح.

​إليك أبرز ملامح صلوات وطقوس الصعود في الكنيسة الأرثوذكسية لتضيفها إلى بحثك:

١. نغمة وألحان الفرح (الفترة الطقسية)

  • الألحان الفرايحي: تُصلى جميع الصلوات في عيد الصعود بالنغمة الفرحية (الفرايحي).
  • فترة العيد: يستمر الاحتفال بالصعود في الكنيسة الأرثوذكسية لمدة 10 أيام (من خميس الصعود وحتى السبت الذي يسبق عيد العنصرة/حلول الروح القدس)، وتُسمى هذه الفترة بـ "بعد العيد" حيث تظل ألحان الصعود تُتلى في الكنائس.

٢. صلوات وإبصاليات "دورة الصعود"

​من أشهر الطقوس الأرثوذكسية (خاصة في الكنيسة القبطية) هي "دورة عيد الصعود"، حيث يطوف الكهنة والشمامسة أرجاء الكنيسة بالصلبان والأيقونات وهم يرتلون صلوات ومدائح خاصة بالحدث.

  • ​في هذه الدورة، تدمج الكنيسة بين القيامة والصعود؛ فيطوفون الكنيسة 3 مرات في الهيكل و3 مرات في الصحن (الصحن الخارجي) تذكاراً للقيامة، ثم يطوفون مرة واحدة أخيرة حول المذبح صعوداً بالإيقونة نحو الأعلى، كرمز لصعود المسيح إلى السماء.

٣. مضامين الصلوات اللاهوتية (الأبصاليات والقطع)

​تركز النصوص الصلواتية الأرثوذكسية المكتوبة في كتب الخدمة (مثل الإبصلمودية والقطمارس والخولاجي) على معانٍ محددة يُرددها المصلون:

  • تمجيد البشرية: تركز الصلوات على أن المسيح صعد بجسدنا البشري وجلس به عن يمين الآب، مما رفع من قيمة الطبيعة البشرية.
  • حوار الملائكة: تترجم الصلوات حوار مزمور 24 النبوي ("ارفعن أيتها الأبواب رؤوسكن...")، حيث ترتل الكنيسة ممتدحة دهشة القوات السمائية (الملائكة) وهي ترى جسداً بشرياً يصعد إلى أعلى السموات.
  • أشهر المقولات الطقسية: من أشهر العبارات التي تُردد في صلوات هذا العيد: "صعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه... وطأ الموت بالموت والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة الروحية".

٤. قراءات قداس العيد

​تتضمن صلوات القداس الإلهي الأرثوذكسي قراءات محددة من الكتاب المقدس تُركز بالكامل على الحدث:

  • البولس (الرسائل): قراءة من رسالة أفسس أو العبرانيين عن جلسة المسيح في الأعالي وشكل جسده الممجد.
  • الإبركسيس (أعمال الرسل): قراءة الأصحاح الأول من سفر الأعمال الذي يسرد تفاصيل الصعود وظهور الملاكين حرفياً.
  • الإنجيل: قراءة ختام إنجيل لوقا أو مرقس التي تذكر صعود الرب ومباركتة للتلاميذ. 


__________________

مراجع ومصادر :

​أولاً: المصادر والمراجع المسيحية (الكتابية واللاهوتية)

  1. الكتاب المقدس (العهد الجديد):
    • إنجيل لوقا (الأصحاح 24).
    • إنجيل مرقس (الأصحاح 16).
    • سفر أعمال الرسل (الأصحاح 1).
    • الرسالة إلى العبرانيين (الأصحاحات 4، 7، 9 - الخاصة بالشفاعة الكفارية والكهنوت).
  2. كتاب "تجسد الكلمة" – القديس أثناسيوس الرسولي (مُفيد جداً في تحليل طبيعة الجسد الممجد والتدبير الإلهي).
  3. كتاب "شرح قانون الإيمان" – القديس كيرلس الأورشليمي (يحتوي على شرح لاهوتي دقيق لبند "صعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه").
  4. كتاب "الخريدة النفيسة في فلسفة الكنيسة الطقسية" – الأسقف الأنبا غريغوريوس (مفيد في الجزء الخاص بعيد الصعود وطقوسه).
  5. كتاب "تفسير سفر أعمال الرسل" – القمص تادرس يعقوب ملطي (يقدم تحليلاً تفصيلياً لآيات الصعود وظهور الملاكين).
  6. كتاب "اللاهوت النظامي" – د. جيمس بوير (مرجع إنجيلي مميز يشرح بالتفصيل الشفاعة الكفارية والباروسيا/المجيء الثاني).

​ثانياً: المصادر والمراجع الإسلامية (الرفع والمقارنة)
  1. القرآن الكريم:
    • سورة النساء (الآيات 157-158).
    • سورة آل عمران (الآية 55).
    • سورة المائدة (الآية 117).
  2. كتاب "تفسير القرآن العظيم" (تفسير ابن كثير) – الإمام عماد الدين بن كثير (خاص بتفسير آيات رفع عيسى عليه السلام وشبه لهم).
  3. كتاب "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" (تفسير الطبري) – الإمام محمد بن جرير الطبري.
  4. كتاب "قصص الأنبياء" – ابن كثير (الجزء الخاص بنبي الله عيسى ورفعه ونزوله آخر الزمان).
  5. كتاب "العقيدة في الله" – د. عمر سليمان الأشقر (بما يخص علامات الساعة الكبرى ونزول المسيح).

​ثالثاً: المراجع التاريخية والأثرية (جبل الزيتون وكنيسة الصعود)

  1. كتاب "تاريخ الكنيسة" – يوسابيوس القيصري (يؤرخ للمسيحية المبكرة ومواقع القدس).
  2. مذكرات إيجيريا (Egeria's Travels) – وهي يوميات رحلة حاجّة مسيحية زارت القدس في القرن الرابع الميلادي (حوالي 381 م) ووصفَت بالتفصيل احتفالات عيد الصعود على جبل الزيتون قبل بناء الكنيسة بشكلها الحالي.
  3. كتاب "المفصل في تاريخ القدس" – عارف العارف (مؤرخ فلسطيني، يفيد جداً في رصد تاريخ كنيسة الصعود وتحولها إلى مزار مشترك والوضع القانوني "الستاتيكو").
  4. كتاب "تاريخ أورشليم القدس" – يشرح الفترات البيزنطية والصليبية والأيوبية وعمارة مزار الصعود المثمن.
  5. وثائق "الوضع الراهن" (Status Quo) في الأماكن المقدسة – لـِ "ألبرت ديفاس" (L.G.A. Cust) – مرجع قانوني تاريخي يوضح حقوق الطوائف في مزار الصعود.
***********************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

الثلاثاء، 19 مايو 2026

+ دير القديسة دميانة بالبراري

دير القديسة دميانة بالبراري :


- محتويات الموضوع : 

مقدمة 

١.  الموقع الجغرافي

٢. التسمية

٣.  الجذور التاريخية للدير

٤. العمارة والتخطيط الداخلي للدير

​أ. الكنائس الأثرية والحديثة

​ب. المباني الملحقة

ج. اماكن أثرية

٥. الحياة الرهبانية في الدير

٦. الأهمية الدينية والمواسم الثقافية

--------------------

مقدمة

دير القديسة دميانة بمنطقة البراري (بلقاس - محافظة الدقهلية) ​هو دير مصرى للراهبات يتبع الكنيسه القبطيه الأرثوذكسي، أحد أقدم الأديرة القبطية الأرثوذكسية في مصر والعالم، ويمثل منارة روحية وأثرية تعود إلى القرن الرابع الميلادي. يكتسب الدير شهرة واسعة لارتباطه بقصة استشهاد القديسة دميانة والأربعين عذراء، ويُعتبر مركزاً رئيسياً لرهبنة العذارى (الراهبات) في الكنيسة القبطية.

١.  الموقع الجغرافي 

 يقع الدير في منطقة "البراري" التابعة لمركز بلقاس بمدينة كفر الشيخ بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر. 

وتاريخياً، كانت هذه المنطقة تُعرف بالبراري نظراً لطبيعتها الجغرافية القديمة التي كانت تضم مساحات شاسعة من الأراضي غير المستصلحة والمستنقعات القريبة من بحيرة البرلس.

٢. التسمية
 سُمي بالدير الأثري للشهيدة العفيفة دميانة والأربعين عذراء،
 
Deir el-Qiddīsa Damyāna

ويُعرف شعبياً باسم "دير البراري".

٣.  الجذور التاريخية للدير

​يرتبط تأسيس الدير بالقرن الرابع الميلادي إبان حكم الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير:

بناء القبر والمقبرة: بعد انتهاء عصر الاضطهاد الروماني، قامت الملكة هيلانة (والدة الإمبراطور قسطنطين) بزيارة منطقة البراري في النصف الأول من القرن الرابع، وأمرت برفع الأنقاض عن المكان الذي استشهدت فيه القديسة دميانة مع الأربعين عذراء، وبنت فوق قبرهن كنيسة صغيرة وتوجتها بقبة وتم تكريس الكنيسة سنة 43 للشهداء ( 327م )، وقد كرس هذه الكنيسة البابا ألكسندروس البطريرك التاسع عشر. وأقام لهذه المنطقة أسقفاً وكهنة وشمامسة بدلاً من الذين استشهدوا على يد الإمبراطور دقلديانوس..

التجديد والترميم: تعرض الدير عبر العصور للعديد من أعمال الهدم والترميم نتيجة التقلبات السياسية والزمنية. 

أ. ففي القرن السادس قام " الأنبا يوحنا " أسقف البرلس في رئاسة البابا داميانوس البطريرك الخامس والثلاثين ( سنة 569 – 605م ) بتجديد الكنيسة. وجمع لها المخطوطات الأثرية ومن ضمنها سيرة الشهيدة دميانة مكتوبة بيد أحد تلاميذ القديس يوليوس الأقفهصي كاتب سير الشهداء.

ب. ثم حدث في القرن الثامن أن تهدمت الكنيسة في أيام الملك حسان بن عتاهية الذي كان يحب البيع والأساقفة والرهبان، وكان يحب البابا خائيل البطريرك السادس والأربعين الذي تولى الكرسي من سنة 743 – 767م. 

ج. وكانت مياه البحر الأبيض المتوسط، قد طفت بسبب قطع الجسر. وإذ صلى القديس البابا خائيل في حضور الوالي أرسل الله ريحاً شديدة عملت جسراً من الرمال بدلاً من الأول. بعد هذا طلب البابا إنشاء كنيسة مكان الكنيسة التي هدمت. ولما كملت كرّسها بنفسه في اليوم الثاني عشر من شهر بشنس نفس موعد تكريس الكنيسة الأولى

 

٤. العمارة والتخطيط الداخلي للدير

​يضم الدير مجمعاً معمارياً كبيراً يحتوي على عدة كنائس ومبانٍ ملحقة:


​أ. الكنائس الأثرية والحديثة

​- الكنيسة الأثرية (كنيسة القبر): تضم المزار الذي  يحتوي على رفات القديسة دميانة والأربعين عذراء، وتتميز بطابعها المعماري القبطي القديم والقباب الدائرية. ويطلق عليها كنيسة الظهور. 

تتكون من 4 بواكى الباكية الأولى فوق الهيكل وثلاث بواكى للصحن - والمدخل الأصلى للكنيسة فى الحائط البحرى من الباكية الغربية وبه معمودية صغيرة - والهيكل يتوسط المذبح الذى أكتشف تحته سنة 1974م وفى الشرق حنية كبيرة على جانبيها حنيتين صغيرتين قد يرجع بائها الى القرن 12/ 13

ووصف الرحالة الراهب فانسيلب كنيسة الشهيدة دميانة وديرها لما زار مصر من سنة 1672م - 1673م دير القديسة دميانة بالبرارى فقال : " دير القديسة دميانة مشهور جداً بين الآقباط والقديسة دميانه محبوبة جداً خاصة بالغربية وكنيستها فى بلدة متسعة جداً ولها 25 قبة تجعل المنظر من بعيد كثير القبول وهم موضوعين بدون ترتيب أو نظام او تساوى فى الحجم , والكنيسة لم تكتمل حتى الآن و ولا يوجد فيها هيكل مبيض من الداخل بالجير وقباب الكنيسة بها ثقوب بفتحة واحدة أو فتحتين يدخلان ضوء الشمس للكنيسة من خلالهما . راجع تاريخ أبو المكارم ( تاريخ أبو المكارم - عن ما كتبه الأجانب والمؤرخون عن الكنائس والأديرة الجزء الرابع , أعداد الأنبا صمؤيل اسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات سنة 2000 م ص 113 )

اما الرحالة الراهب سيكار الذى زار مصر مصر من سنة 1712م الى سنة 1726م فقال عن زيارته لكنيسة الشهيدة دميانة فى البرارى : " ومن بلقاس ذهبت الى الست دميانة حيث ظهر فى الوادى كنيسة قديمة بها 22 قبة بيضاء , تبدو من منظهرها كحصن أو قصر , ويعيد الأقباط لها فى مولد الست دميانة فى شهر مايو " راجع مخطوط تاريخ ابو المكارم تاريخ أبو المكارم - عن ما كتبه الأجانب والمؤرخون عن الكنائس والأديرة الجزء الرابع , أعداد الأنبا صمؤيل اسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات سنة 2000 م ص 128)


​- كنيسة القديس مارجرجس: كنيسة ملحقة بالدير تُستخدم لإقامة الصلوات والقداسات اليومية.

- كنيسة الأنبا انطونيوس:
​ الكنيسة الكبرى (الجديدة): تم تشييدها في العقود الأخيرة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار والمصلين، خاصة في المناسبات والأعياد.
المدخل البحرى له صاله يتقدمها عمودان وفى الركن البحرى الغربى توجد المعمودية , أما صحن الكنيسة يتوسطه أربعة أكتاف مربعة تحمل الأعمدة ستة قباب , وقبو يعلوه بلكونه يجلس بها السيدات , وحجاب الكنيسة من ثلاث أحجبة بحشوات خشبية معشقة ومطعبة , ويلاحظ أن الهياكل مغطاة بثلاث قباب مدببة . ده قبر القديسه العفيفه دميانه والاربعين عذاري.

مزار الشهيدة دميانة والأربعين عذراء 


​ب. المباني الملحقة

​- قلايات الراهبات: مناطق سكنية خاصة ومعزولة مخصصة للحياة الديرية والعبادة للراهبات.
​- بيت الضيافة: مبانٍ مجهزة لاستقبال الزوار والرحلات الدينية وتوفير الخدمات لهم.

​- المكتبة والمتحف: يحتوي الدير على مكتبة تضم كتباً ومخطوطات دينية، بالإضافة إلى بعض المقتنيات الأثرية والأيقونات التاريخية.
ج. اماكن أثرية :
- صهريج المياة:
من ألاثار القديمة الرومانية صهريج تخزين المياة أسفل مبانى الدير قبوات محمول على عقود ومبطن بمواد أسمنتية ما زال يعمل حتى هذا اليوم

- الآثار القديمة حول الدير :
وهناك تلال أثرية بجانب دير القديسة دميانة فى البرارى وحوله وقد قامت مصلحة ألاثار أخيراً بعمل حفائر فى هذه التلال الأثرية لم يستدل منها على صفاتها أو استخدامها ربما ترجع الى عصر بناء الدير القديم وربما تكون مساكن العمال المؤقتة اللى بنوا الدير


٥. الحياة الرهبانية في الدير

​يُعتبر دير القديسة دميانة من الأماكن القليلة التي حافظت على استمرار رهبنة النساء في مصر عبر القرون:

- النهضة الحديثة: شهد الدير نهضة رهبانية كبرى في عهد المتنيح الأنبا بيشوي (مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري ورئيس الدير السابق)، حيث تم تنظيم الحياة الرهبانية وتوسيع الدير جغرافياً ومعمارياً.

عندما تولى نيافة الأنبا بيشوى رئاسة الدير تم رسامة 25 راهبة يوم 24 سبتمبر 1978م. بعد ذلك أعترف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية ديراً للراهبات في أول جلسه له في يوم 20 فبراير 1979م وقد وصل عدد الراهبات الآن الى 80 راهبة وطالبة رهبنة منهم 3 من اريتريا

- نظام الحياة: تعيش الراهبات في الدير حياة قوامها الصلوات الممتدة، الصوم، القراءة الروحية، والعمل اليدوي (مثل التطريز، صناعة الملابس الكنسية، والرسم الأيقوني) لتحقيق الاكتفاء الذاتي للدير.


٦. الأهمية الدينية والمواسم الثقافية

​يُمثل الدير مركز جذب سياحي وديني رئيسي:

​- الاحتفال السنوي (مولد القديسة دميانة): يُقام في شهر مايو من كل عام احتفال ضخم يمتد لعدة أيام، لإحياء ذكرى تكريس كنيسة القديسة دميانة. يستقبل الدير خلال هذه الفترة مئات الآلاف من الزوار من الأقباط والمسلمين على السواء، مما يجعله رمزاً للتآخي والوحدة الوطنية في المنطقة.

عمل خيام لفتح مشاريع مختلفة لسد احتياجات الخدمة في هذا العيد 

وخيام للنوم للزوار الذين يقيمون ايام المولد

خاتمة

​يظل دير القديسة دميانة بالبراري شاهداً حياً على عمق التاريخ القبطي في دلتا مصر، ومحافظاً على تراث معمارى وروحي فريد يمتد لأكثر من سبعة عشر قرناً، مما يجعله واحداً من أهم المعالم الأثرية والدينية المسجلة في مصر.



****************************

اعداد / امجد فؤاد

موسوعة الديانة المسيحية