بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 27 ديسمبر 2025

+ أتعبدون الخبز ؟

أتعبدون الخبز؟
من أكثر عبارات الاستهزاء تداولًا قول بعض الوثنيين قديماً و المهرطقين وغير المؤمنين:

أتعبدون الخبز؟ أتأكلون الإله؟
وهذه العبارة لا تعبّر عن تنزيه حقيقي لله، بل تكشف عن خلل جذري في فهم معنى السرّ، وعن خلط متعمد بين المادة المرئية التي يتكلّم الله عنها ويختارها لنوال نعمته الغير مرئية ، والمادة التي يصنعها الإنسان ثم ينسب إليها قداسة من خياله.

فالمسيحيين لم يعبدوا يومًا مادة، ولا قدّست خبزًا في ذاته، بل سجدت دائمًا للمسيح الحيّ الذي قال عن الخبز بوضوح قاطع:"هذا هو جسدي" (متى 26:26).

لم يقل: هذا يرمز إليّ، ولا هذا يذكّركم بي، بل أعلن اتحادًا حقيقيًا. وهذا الإعلان لا ينفصل عن التجسّد، لأن الذي صار جسدًا لا يتراجع إلى لغة مجازية حين يعطي ذاته.

ولهذا فهمت الكنيسة منذ البدء أن الإفخارستيا ليست طقسًا قابلًا للتخفيف، بل امتداد مباشر للتجسّد. فالقديس إغناطيوس الأنطاكي، تلميذ الرسل، واجه في القرن الأول نفس الإنكار، ولم يناقش مفردات، بل كشف جذر المشكلة قائلًا إن المنكرين يمتنعون عن الإفخارستيا لأنهم لا يعترفون بأنها جسد مخلّصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألّم من أجل خطايانا. أي أن إنكار السرّ ليس اختلافًا طقسيًا، بل إنكار للجسد الذي به تمّ الخلاص.

فمفهوم السر أن الله لا يلغي المادة بل يقدسها
فالكتاب المقدس يضع الأساس منذ البدء عندما يقول 
ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا (تكوين 1:31). فالمادة ليست شرًا في أصلها، ولا عائقًا أمام الله، بل خليقة صالحة صارت محتاجة للفداء. ولهذا لم يخلّص الله الإنسان بفكرة ولا بتعليم من بعيد، بل بالدخول إلى المادة نفسها "والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يوحنا 1:14).

من هذا المنطق تفهم الكنيسة الأسرار إن الله يستخدم ما هو مخلوق ليمنح ما هو غير مخلوق. فالماء يصير ولادة جديدة، والزيت يصير مسحة الروح، والخبز والخمر يصيران شركة الجسد والدم. ليس لأن المادة تملك قوة ذاتية، بل لأن الله يربط نعمته بها بكلمته.

يتسائل المعترض غير المؤمن قائلاً كيف يمكن لخبز أن يتحول لجسد المسيح فنقول له إن الإيمان الأرثوذوكسي يعلّم أن التحوّل في الإفخارستيا ليس تحوّلًا كيميائيًا ولا حسّيًا، بل تحوّل سرائري يتمّ بقوة كلمة المسيح وفعل الروح القدس. فالكنيسة لا تقول إن الخبز يفقد خواصه المادية، بل إن جوهر العطية يتبدّل ما كان خبزًا عاديًا يصير جسد المسيح المُحيي.

و تفسير هذا أن كلمة الله في الكتاب ليست وصفًا بل فعلًا كما هو مذكور "قال الله "  "فكان".

وبالمنطق نفسه قال المسيح أي الله المتجسد أن هذا هو جسدي. الكلمة الإلهية تُحدِث ما تعلن. ولهذا يقول رسول الأمم بولس بلا أي رمزية "الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟" (1 كورنثوس 10:16). فالشركة اتحاد، لا تذكر ذهني أو معرفة خفية كما يعتقد وثنيون الغنوصية و متأثريها.
ويشرح القديس البابا كيرلس السكندري هذا التحول بدقة متناهية، مؤكدًا أن الكنيسة لا تقبل جسدًا عاديًا، بل جسد الكلمة نفسه، الذي إذ اتحد به صار مُحييًا. فالقوة ليست في الخبز، بل في الكلمة المتحد به، والروح القدس هو الذي يُفعّل هذا الحضور.

إذاً لماذا لا يُرى التحوّل بالعين المجردة ؟

لأن السرّ عطية إيمانية لا عرضاً حسياً. فالكتاب يقول "الإيمان هو الثقة بما يُرجى، والإيقان بأمور لا تُرى" (عبرانيين 11:1).

ولو تغيّرت الحواس، لما كان للإيمان حاجةً وصار الأمر قسرًا لا شركة. لذلك قال المسيح أن "الروح هو الذي يُحيي، أمّا الجسد فلا يفيد شيئًا" (يوحنا 6:63)،
أي أن الفهم الحسّي وحده لا يدرك السرّ، أمّا الجسد المتحد بالكلمة فهو مُحيٍ.
لماذا اختار الله الخبز تحديدًا؟

لأن الخبز هو قوت الحياة اليومي، ما لا يحيا الجسد بدونه. لذلك قال السيد المسيح له كل المجد 
"أنا هو خبز الحياة" (يوحنا 6:35).

والخبز ثمرة الأرض وعمل الإنسان معًا، أي أن الإفخارستيا تقدّس الخليقة والعمل البشري، لا تهرب منهما.

والخبز واحد، لكنه يُكسر ويُعطى للكثيرين دون أن يفنى، كما أن المسيح واحد يُعطى للجميع دون أن ينقسم. ولهذا قال الرسول:

«نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد» (1 كورنثوس 10:17).

فالأكل أعمق صورة اتحاد ،الأكل هو أقصى درجات الاتحاد الطبيعي. الطعام يدخل الإنسان، يصير فيه دمًا وحياة. اللمس خارجي، والتقبيل خارجي، والدوران حول مادة خارجي، أمّا الأكل فهو اتحاد داخلي. لذلك لم يختر المسيح حجرًا يُلمس، ولا اتجاهًا يُزار، بل خبزًا يُؤكل. وقال "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" (يوحنا 6:56). إذاً فالثبات هنا وجودي، لا رمزي.

قديماً و حديثاً  تساءل الوثنيين و اعترضوا للأباء و المسيحيين قائلين أليست تلك وثنية مثل وثنيتنا بالظبط ؟ أقول أن الوثنية ليست استخدام مادة، بل نَسْب الألوهية أو الدور الخلاصي إلى مادة. الوثن صامت، والإنسان يملأ صمته بخياله. أما الإفخارستيا، فأساسها كلمة الرب الخالقة نفسها  و هي الحياة بعينها.

وهنا تظهر المفارقة الصادمة بوضوح  لمن يستهزئ بالإفخارستيا لا يرى أي تناقض في التوجه في الصلاة نحو مجسمات حجرية أو اسمنتية ، والطواف حول بناء من حجر وأسمنت، و التبرك بالنيازك و الأجرام السماوية ، والإيمان بحسب فلاسفة و أشخاص مضللين بأن هذا الحجر سيشهد للمؤمنين ويشفع لهم و يخلصهم و بعض منهم انه سيستجيب لصلواتهم و طلباتهم حتى ، مع أنه مادة صامتة لم يتجسّد فيها الله، ولم يقل عنها: أنا فيها، ولا قال هذا هو جسدي. ثم بعد ذلك يُتَّهَم المسيحي بالوثنية لأنه يؤمن أن الله نفسه تكلّم، واختار، وأعطى ذاته بحسب كلمته من خلال خبز و خمر.

فنحن لا نقول إن الخبز صار إلهًا، بل نؤمن أن الإله قال وتكلّم وقال عن الخبز "هذا هو جسدي". و الفارق الحاسم هنا ليس في وجود مادة، بل في مصدر القداسة هناك قداسة تُنسب إلى حجر و صنم لأن التقليد قال ذلك، وهنا نعمة تُعطى لأن المسيح نفسه أعلن وأعطى لشي مفيد جسمانياً و مصدراً للحياة .

هناك حجر أو تمثال   يُقبَّل و يُسجد له ويُنتظر منه شهادة أو شفاعة أو غفران خطايا و ذنوب ،وهنا خبز يُؤكل لأن الرب قال خذوا كلوا جسدي و اتحدوا بي لتكونوا مثلي.فالوثن يبقى خارجك مهما طُفتَ حوله أو سجدت له ،
أمّا الإفخارستيا فتدخل فيك لتصنع شركة حياة.

ولهذا قال القديس كيرلس الإسكندري بوضوح:  نحن لا نسجد لمادة، بل نعبد الابن الواحد الحاضر في جسده الخاص، جسدٍ غير منفصل عن لاهوته. فالعبادة ليست للمادة، بل للشخص الإلهي الحاضر فيها.

فحين يُقال باستهزاء: "أتعبدون الخبز؟"،
أقول نحن لا نعبد خبزًا، ولا نأكل مادة ونسمّيها إلهًا،
بل نؤمن بإلهٍ تجسّد، وتكلّم، وأعطى ذاته،
واختار الأكل أعمق اتحاد عند البشر لإنه خلقنا و يعرفنا ليجعل الإنسان شريكًا في حياته.

فالوثنية حيث تتوسل للحجر أو المادة، أمّا السرّ فحيث يتكلّم الله ويستخدم المرئي ليهب غير المرئي.

حين نتمعّن في منطق الاعتراض على الأسرار، لا نواجه خلافًا طقسيًا عابرًا، بل رؤية كونية ترى الخلاص انفصالًا لا اتحادًا، والقداسة مسافة لا حضورًا، والإله خطابًا يأمر من علو ولا يدخل التاريخ. هذه الرؤية التي عرفت الفلسفات القديمة أشباهها تتعامل مع المادة بوصفها موضع ريبة، ومع الجسد بوصفه عائقًا، ومع الاقتراب الإلهي بوصفه خطرًا ينبغي نفيه. في هذا الأفق، يصبح من غير المقبول أن يتكلّم الله من داخل الخليقة أو أن يستخدم ما خلقه ليهب نعمته.

غير أنّ المفارقة تظهر حين يُرفض السر باسم تنزيهٍ يزدرِي المادة، بينما تُمنَح المادة الصامتة مركز العبادة والاتجاه والطقس في كثير من المعتقدات الوثنية الفعلية . هنا ينكشف التناقض فكيف تُنفى قدرة المادة على حمل النعمة، ثم تُحمَّل في الوقت نفسه ثِقَل القداسة؟ وكيف يُستبعَد حضور الله من الداخل، ثم يُستدعَى الرمز الأصم من الخارج ليملأ الفراغ؟

بهذا المعنى، لا يكون تقديس الحجر أو المادة ثمرة إعلان، بل تعويضًا عن غياب الإعلان. فحين يُلغى أن يتكلّم الله داخل التاريخ، تُسقَط المعاني على ما لا يتكلّم. وحين يُرفض الاتحاد، يُستعاض عنه بالدوران والاتجاه حول المادة حيث ان الإتحاد بها غير ممكن و بلا معنى. المادة هنا لا تُفتدى ولا تُقدَّس، بل تُجمَّد: علامة جامدة تُطاف وتُقبَّل و يُسجَد لها لأنها موروثة، لا لأنها مُعلَنة. قداسة بلا كلمة، ورمز بلا مضمون و هذا جوهر المعتقدات الوثنية قديماً و حديثاً مثل الهندوسية و غيرها.

ومن هنا تتضح العبثية رفض السر لأنه يستخدم مادة مُعلَنة، مع قبول رمز صامت لأنه مألوف. رفض أن يُؤكل الجسد لأن المادة “لا تحتمل”، مع الإصرار على طقسٍ يتمحور حول مادة لا تفعل سوى الإشارة إلى ذاتها. إنها قداسة الشكل لا قداسة الحضور، وقداسة الاتجاه لا قداسة الكلمة.

في المقابل، يقوم الإيمان الذي يعرف السر على منطق نقيض تمامًا حيث أن المادة لا تُستبعَد ولا تُجمَّد، بل تُدخَل في فعل الخلاص. لا تُقدَّس لأنها صامتة، بل لأنها مُعلَنة؛ ولا تُحاط بالطواف أو السجود، بل تُعطى للأكل، لأن الأكل اتحاد لا مسافة. هنا الفرق بين رمزٍ يُملأ بالتخيلات، وسرٍّ يقوم على كلمة، بين قداسة تُنسب لأن الله غائب، وقداسة تُعطى لأن الله حاضر ويتكلّم.

هكذا يظهر أن تقديس الحجر و المادة داخل رؤية تزدري المادة أصلًا ليس لغزًا، بل نتيجة منطقية لمنهج لم يحتمل أن يتكلّم الله داخل الخليقة. فإذا نُفي الحضور، بقي الشكل، وإذا أُلغي السر، بقي الرمز فارغاً. أمّا حيث يتكلّم و يحضر الله ويعطي ذاته، فلا يعود الحجر محورًا، لأن الحضور نفسه يصير المحور.

فالمجد كلّه للمسيح،ملك الملوك و رب الخليقة
الكلمة الخالق الذي به كانت المادة وبه تقدّست،العامل في خليقته لا من خارجها، لأن الإنسان جسدٌ وروح، فخلاصه يتمّ بما خُلِقَ به،ليدخل في شركة الحياة غير الفاسدة.

الإرث الرسولي The apostolic legacy
*********************
اعداد /امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق