+ أُعدم أكثر من 900 رجل دين
(غابة بوتوفو)
كان ذلك في شتاء عام 1937 ، حين نُقلت مجموعة من الكهنة ، و من بينهم أسقف مسن ، بواسطة «الغراب الأسود» (و هو الاسم الذي كان يُطلق على الشاحنات المغلقة التابعة للشرطة السرية الشيوعية في زمن ستالين) إلى مكان الإعدامات . كانت الأرض متجمدة ، قاسية كالحجر ، و كانت الحفر قد فُتحت منذ أيام بالجرافات .
أمرهم الحراس ، و وجوههم مغطاة ، بالنزول . كان الإجراء روتينياً ، بارداً و سريعاً . لكن حدث أمر لم يتوقعه الجلادون .
فعندما أوقفوهم على حافة الخندق ، بدأ الأسقف بصوت مرتجف لكنه واضح يرتل : «المسيح قام» . و لم يبكِ الكهنة الآخرون و لم يطلبوا الرحمة ، بل انضموا إليه . و كان ترنيمهم يتردد في الغابة ، ممزقاً الصمت المطلق للموت .
صرخ أحد الضباط آمِراً إياهم أن يتوقفوا ، موجّهاً سلاحه نحو وجه الأسقف . فنظر إليه الأسقف بعينين ملؤهما سلام يبدو غير أرضي ، و همس : «نحن نغفر لكم يا أبنائي ، لأنكم لا تعلمون ماذا تفعلون» .
و انطلقت الطلقات تباعاً . و في كل مرة كان يسقط كاهن في الهاوية ، كان التالي يواصل الترتيل من حيث توقف سابقه .
و عندما بقي آخر كاهن واقفاً ، كان الجلادون قد تجمدوا في أماكنهم . لم يكن ما هزّهم خوف الضحايا من الموت ، بل غياب الخوف لديهم . رسم الكاهن الأخير إشارة الصليب ، و بارك مُعدميه ، و سقط في الحفرة قبل أن تُسمع الرصاصة الأخيرة .
و يُقال إن سكان المناطق المحيطة ظلوا لسنوات يتجنبون الاقتراب من غابة بوتوفو .
و كانوا يقولون إنه في الليالي ، عندما تهب الرياح من الشمال ، يمكن للمرء أن يسمع حتى اليوم تراتيل سماوية تخرج من باطن الأرض .
و اليوم يقوم في ذلك المكان كنيسة مهيبة . و في أساساته تُحفظ آلاف الأشياء التي عُثر عليها أثناء الحفريات : صلبان صغيرة ، و مسابح مهترئة ، و بقايا من الملابس الكهنوتية—شهوداً على إيمان لم تهزمه الرصاصات .
_____________________
- المصدر :
كتاب : «سِيَر شهداء بوتوفو – جلجلة الشهداء الجدد الروس»
*********************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق