بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 19 مارس 2026

+ معجزة المسيح لتهدئة العاصفة ليثبت انه له سلطان علي الطبيعة

+ معجزة المسيح لتهدئة العاصفة ليثبت انه له سلطان علي الطبيعة :


- محتويات الموضوع : 

 مقدمة 

اولا: النص الكتابي للمعجزة

ثانيا : تفسير المعجزة 

ثالثا : تفاصيل المعجزة

رابعا : تنباء العهد القديم بالمعجزة

خامسا : مقاصد المعجزة 

سادسا : الدليل على المعجزة 

المصادر

---------------------

مقدمة :

تعتبر معجزة "تهدئة العاصفة" واحدة من أبرز الأدلة الكتابية على لاهوت المسيح وسلطانه المطلق، ليس فقط على الأرواح أو الأمراض، بل على قوانين الطبيعة ذاتها.


اولا : النص الكتابي للمعجزة :

١- إنجيل متى :

23 وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ. 24 وَإِذَا اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ الأَمْوَاجُ السَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِمًا. 25 فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ:«يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ» 26 فَقَالَ لَهُمْ:«مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟» ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ، فَصَارَ هُدُو عَظِيمٌ. 27 فَتَعَجَّبَ النَّاسُ قَائِلِينَ:«أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعًا تُطِيعُهُ». (متى ٨: ٢٣- ٢٧)


٢- إنجيل لوقا :

22 وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ دَخَلَ سَفِينَةً هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ، فَقَالَ لَهُمْ:«لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ». فَأَقْلَعُوا. 23 وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ. 24 فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ». فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ، فَانْتَهَيَا وَصَارَ هُدُوُّ. 25 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:«أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟» فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الرِّيَاحَ أَيْضًا وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ». ( لوقا ٨ : ٢٢ - ٢٥) 


٣- إنجيل مرقس :

"35 وَقَالَ لَهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ: «لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ». 36 فَصَرَفُوا الْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ. وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضًا سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. 37 فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. 38 وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ:«يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» 39 فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ:«اسْكُتْ اِبْكَمْ». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. 40 وَقَالَ لَهُمْ:«مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟» 41 فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ»." (مرقس ٤: ٣٥- ٤١)


ثانيا : تفسير المعجزة :

١. ساعة الصفر: القرار والانطلاق

​بعد يوم طويل ومرهق من التعليم والأمثال على شاطئ بحر الجليل، وبسبب ضغط الجموع، أصدر يسوع أمراً لتلاميذه: "لنجتز إلى العبر" (الجانب الشرقي). وبحسب إنجيل متى، كان هذا الفعل بمثابة اختبار للتلمذة؛ فتبعوه في السفينة كما كان، دون استعدادات خاصة. ويضيف مرقس تفصيلاً فريداً وهو وجود "سفن أخرى صغيرة" كانت ترافق سفينة التلاميذ، مما يعني أن الحدث كان له شهود كثر من خارج دائرة الاثني عشر. 


٢. هجوم العاصفة: "الزلزال البحري"

​بينما هم يبحرون، انحدرت عاصفة ريح شديدة (لوقا)، ويصفها متى بكلمة "Seismos" (اضطراب زلزالي)، مما يشير إلى قوة غير عادية. كانت الأمواج تضرب السفينة بعنف لدرجة أنها "صارت تمتلئ" (مرقس)، وأصبح الرسل -وهم الخبراء في البحر- في حالة ذعر حقيقي وشعور بالخطر الداهم (لوقا). 


٣. التباين العجيب: اضطراب البشر وسكون الخالق

​في مؤخرة السفينة، وفي عز هذا الصخب، كان يسوع نائماً على "الوسادة". هذا النوم يجمع بين:

* ناسوته: تعبه الجسدي كإنسان.

* لاهوته: طمأنينته كإله يسيطر على كل شيء. التلاميذ، في حالة من فقدان التوازن بين الإيمان والخوف، أيقظوه بصرخات متنوعة (جمعتها الأناجيل): 

"يا رب نجنا.. يا معلم أما يهمك أننا نهلك؟".


٤. كلمة السلطان: لجام الطبيعة

​قام يسوع وبدأ بتوبيخ مزدوج:

* ​توبيخ العناصر: بحسب مرقس ولوقا، هو "انتهر" الريح وأمر البحر بكلمات آمرة: "اسكت! ابكم!".

* النتيجة اللحظية: في ثوانٍ معدودة، تحول الإعصار إلى "هدوء عظيم". لم يكن هدوءاً تدريجياً، بل سكوناً مطبقاً شمل الريح والماء.


٥. توبيخ التلاميذ: أين إيمانكم؟

​بعد أن سكنت الطبيعة، التفت يسوع لتلاميذه (متى يذكر أنه وبخهم قبل تهدئة العاصفة، ومرقس ولوقا بعد ذلك، والهدف واحد):

سألهم: "أين إيمانكم؟". هو لم يلمهم على إيقاظه، بل على "الرعب" الذي سيطر عليهم في وجوده، وهو ما اعتبره نقصاً في إدراك هويته. 


٦. الرهبة واكتشاف الهوية

​انتهى المشهد بحالة من "الخوف العظيم" (مرقس). لقد خافوا من الشخص الذي هدّأ العاصفة أكثر من خوفهم من العاصفة نفسها! وطرحوا السؤال الجوهري الذي يجمع الأناجيل الثلاثة:

"من هو هذا؟ فإن الريح والبحر أيضاً يطيعانه!"


ملخص التفسير الجامع (النتائج اللاهوتية)

١. ​المسيح سيد الطبيعة: هو ليس مجرد صانع معجزات، بل هو "كلمة الله" الذي يطيعها الكون.

٢. ​حضور المسيح لا يلغي التجارب: السفينة التي فيها المسيح قد تتعرض للعواصف، لكنها لا تغرق أبداً.

٣. ​تكامل الوحي: مرقس أعطانا "الصورة"، ومتى أعطانا "المعنى الروحاني للإيمان"، ولوقا أعطانا "حتمية سلطان الكلمة".


ثالثا : تفاصيل المعجزة :

١. الزمان (التوقيت الدقيق)

* ​الوقت من اليوم: حدثت المعجزة في المساء (مرقس 4: 35). كان ذلك بعد يوم طويل جداً وشاق من التعليم بالأمثال (مثل مثل الزارع، وحبة الخردل).

* ​السياق الزمني: كان يسوع في ذروة نشاطه في الجليل، وكان الجهد الجسدي عليه عظيماً لدرجة أنه نام بمجرد تحرك السفينة رغم الضجيج.

٢. المكان (الجغرافيا والموقع)

* ​الموقع: بحر الجليل (بحيرة طبرية).

المسار: تحركوا من الضفة الغربية (ناحية كفرناحوم) متوجهين إلى "العبر"، أي الضفة الشرقية (ناحية كورة الجدريين/كنيسة الكرسي حالياً).

الخصائص الجغرافية: بحر الجليل يقع في منخفض سحيق (نحو 210 أمتار تحت مستوى سطح البحر)، وهو محاط بمرتفعات وجبال هضبة الجولان والجليل.


٣. الأسباب العلمية والطبيعية للعاصفة

​لماذا حدثت العاصفة فجأة؟

* الرياح الهابطة: تنحدر الرياح الباردة من قمم الجبال المحيطة (خاصة جبل الشيخ في الشمال) وتصطدم بالهواء الدافئ الرطب المستقر فوق سطح البحيرة المنخفضة.

* تأثير القمع: تعمل الوديان الضيقة بين الجبال كممرات تزيد من سرعة الرياح، مما يؤدي إلى نشوء عواصف مفاجئة وعنيفة جداً تُسمى محلياً "الشرقية".

* وصف مرقس: استخدم كلمة "نوء ريح عظيم"، وفي اليونانية Lailaps، وهي تعني "إعصاراً" أو "عاصفة دورانية" وليس مجرد ريح قوية.


٤. شهود العيان (من كان هناك؟)

​لم يكن يسوع والتلاميذ وحدهم في عرض البحر، وهذا تفصيل يغفله الكثيرون:

١. التلاميذ الاثني عشر: (بطرس، أندراوس، يوحنا، يعقوب... إلخ). كان من بينهم 4 صيادين محترفين على الأقل، مما يعطي شهادتهم عن "خطر الغرق" ثقلاً كبيراً لأنهم لا يخافون من البحر بسهولة.

٢. أصحاب السفن الأخرى: يقول مرقس (4: 36): "وكانت معه أيضاً سفن أخرى صغيرة". هؤلاء كانوا شهوداً من الجموع الذين لم يريدوا ترك يسوع فتبعوه بالقوارب، وشهدوا العاصفة والهدوء اللحظي. 


٥. تفاصيل السفينة (الأدوات والوضع)

*  السفينة: قارب صيد خشبي يعود للقرن الأول (طوله حوالي 8-9 أمتار)، يعمل بالمجاديف والشراع.

* الوسادة: ذكر مرقس أن يسوع كان نائماً على "الوسادة". تاريخياً، كانت هذه "وسادة الرمل" أو "حقيبة الأثقال" التي توضع في مؤخرة السفينة (Prymna) لموازنة القارب، أو وسادة جلدية مخصصة للمجدفين.

* الحالة الفنية: السفينة كانت "تمتلئ" (ع 37)، وهو مصطلح تقني يعني أن الماء تجاوز الحواف وبدأت السفينة تفقد قدرتها على الطفو.

٦. تفاصيل تقنية ولغوية دقيقة (من النص اليوناني)

  • ​في إنجيل متى، الكلمة اليونانية المستخدمة لوصف العاصفة هي "Seismos"، وهي نفس الكلمة التي تعني "زلزال". هذا يوحي بأن الاضطراب لم يكن في الجو فقط، بل كان اهتزازاً في الطبيعة كلها، مما يجعل تدخل يسوع لإيقافه فعلاً "خالقاً" بامتياز.
  • فعل "انتهر": الكلمة اليونانية هي epitimaō. وهي كلمة قوية جداً تُستخدم للتوبيخ الشديد. يسوع لم "يتمنَّ" أن يهدأ البحر، بل "أمر" بصرامة ملكية.
  • "اسكت! ابكم!": في الأصل اليوناني siōpa, pephimōso. العبارة الثانية "ابكم" تعني حرفياً "كُمَّ فمك" (كما يوضع اللجام للحيوان). هذا الوصف يوحي بأن يسوع كان يخاطب العاصفة وكأنها قوة عاقلة أو حيوان هائج يحتاج إلى ترويض.
  • "الهدوء العظيم": استخدام كلمة "عظيم" (megalē) يصف حالة من السكون المطلق. عادة بعد العاصفة تظل الأمواج تتدحرج (Swell) لفترة طويلة، لكن هنا سكن البحر تماماً في ثوانٍ، مما جعل المعجزة "ضد قوانين الفيزياء".

٧. لماذا تختلف التفاصيل بين الشواهد؟

  • مرقس (شاهد عيان عبر بطرس): اهتم بالتفاصيل المادية التي يلاحظها الصياد المحترف (الوسادة، مكان النوم في مؤخرة السفينة، دخول الماء).
  • متى (يكتب لليهود): استخدم كلمة "زلزال" ليؤكد أن الطبيعة كلها اهتزت أمام حضور المسيا، وركز على لقب "يا رب" لبيان لاهوته.
  • لوقا (الطبيب والمؤرخ): اهتم بوصف الحالة الخطرة التي وصلوا إليها ("كانوا في خطر")، ليبرز قوة الإنقاذ الإلهي.


رابعا : تنباء العهد القديم بالمعجزة : 

يوجد إشارات نبوية وتأكيدات لاهوتية في العهد القديم تتنبأ بهذا السلطان:

مزمور 107: 23-30: يُعتبر هذا المزمور "نبوءة" دقيقة للمعجزة، حيث يصف أناسًا نزلوا إلى البحر في سفن، وهاجت عليهم ريح عاصفة، فصرخوا إلى الرب فأنقذهم، ويقول النص: 

"23 اَلنَّازِلُونَ إِلَى الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ، الْعَامِلُونَ عَمَلاً فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، 24 هُمْ رَأَوْا أَعْمَالَ الرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي الْعُمْقِ. 25 أَمَرَ فَأَهَاجَ رِيحًا عَاصِفَةً فَرَفَعَتْ أَمْوَاجَهُ. 26 يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، يَهْبِطُونَ إِلَى الأَعْمَاقِ. ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالشَّقَاءِ. 27 يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ السَّكْرَانِ، وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ابْتُلِعَتْ. 28 فَيَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ. 29 يُهْدِئُ الْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ، وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا. 30 فَيَفْرَحُونَ لأَنَّهُمْ هَدَأُوا،فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْمَرْفَإِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ."

* ​مزمور 89: 9: "أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ. عِنْدَ ارْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا".

مزمور 65: 7: "الْمُهَدِّئُ عَجِيجَ الْبِحَارِ، عَجِيجَ أَمْوَاجِهَا".

* ​سفر يونان: هناك تشابه عجيب بين يونان ويسوع؛ كلاهما كان نائماً في السفينة أثناء العاصفة. لكن الفرق أن يونان كان سبب العاصفة بتمردة، بينما يسوع كان سيد العاصفة بسلطانه.


خامسا : مقاصد المعجزة :

هل كانت المعجزة "مقصودة"؟

​نعم، وبكل تأكيد. لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل كانت "درساً تعليمياً عملياً". إليك الأدلة:

* ​يسوع هو من بادر: هو من قال لهم "لنجتز إلى العبر" (ع 35). هو يعلم تماماً بحكم لاهوته أن هناك عاصفة ستحدث.

* توقيت النوم: نومه لم يكن مجرد تعب، بل كان اختباراً لثقة التلاميذ. أراد أن يضعهم في موقف "اليأس من الذات" ليدركوا أن نجاتهم تعتمد كلياً على شخصه، لا على مهاراتهم في الإبحار.

* كسر "ثقة الصياد": معظم التلاميذ (بطرس، أندراوس، يعقوب، يوحنا) كانوا صيادين محترفين. البحر كان "ملعبهم" ومكان قوتهم. سمح يسوع بالعاصفة ليثبت لهم أن خبرتهم البشرية وقوتهم الجسدية (التجديف، مهارة القيادة) لا قيمة لها أمام قوة الطبيعة، وأن النجاة هي منحة إلهية وليست مهارة إبحار.

* التحضير للمواجهة القادمة: في الأصحاح التالي مباشرة (مرقس 5)، سيواجه يسوع "لجئون" من الشياطين في كورة الجدريين. تهدئة العاصفة كانت "تمرينًا" لإيمان التلاميذ ليروا أن سيده لديه سلطان على العالم المادي (الريح والبحر) قبل أن يروه يسيطر على العالم الروحي (الشياطين).


سادسا : الدليل على المعجزة :

١ .الدليل الكتابي :

ذكر المعجزة في ثلاثة أناجيل (متى، مرقس، لوقا) كُتبت في أماكن مختلفة ولجمهور مختلف في القرن الأول، يؤكد أن القصة كانت جزءاً راسخاً ومواتراً في التقليد المسيحي الأول، ولم تظهر كأسطورة متأخرة.


٢. دليل النقد التاريخي (التواتر)

هناك قاعدة في النقد التاريخي تسمى "دليل الإحراج" (Criterion of Embarrassment):

  • تصوير التلاميذ: لو كانت القصة مؤلفة لاحقاً لتمجيد الرسل، لما صُوِّروا في النص بهذه الصورة "المحرجة" (خائفين، مرتعبين، قليلي إيمان، يعاتبون المسيح بحدة: "أما يهمك أننا نهلك؟").
  • صدق الرواية: تصوير ضعف التلاميذ وصراخهم في مواجهة الصيادين المحترفين منهم (مثل بطرس) يعطي مصداقية تاريخية بأن الحدث وقع فعلاً وبكل تفاصيله النفسية. 

٣. في التقليد الآبائي (Patristics)

​هذه النصوص تعتبر "شواهد تفسيرية" قديمة جداً:

  • العلامة أوريجانوس (القرن الثالث): في تفسيره لإنجيل متى، يقول إن السفينة هي رمز لجسد المسيح، والعاصفة هي رمز للاضطهادات الرومانية، ونوم المسيح هو رمز لانتظار الله قبل التدخل.
  • القديس يوحنا ذهبي الفم: في "العظة 28" على إنجيل متى، يحلل صرخة التلاميذ "يا معلم أما يهمك؟" ويقول إنها شاهد على ضعف البشرية التي تحتاج دائماً ليد الخالق.

٤.  دليل الفن المسيحي القديم  (الرسومات في الكاتاكومب - المقابر تحت الأرض)، وُجدت رسومات للسفينة والأمواج تعود للقرن الثاني والثالث، وهي تعتبر "شواهد بصرية" تؤكد أن هذه المعجزة كانت مصدر تعزية رئيسي للمسيحيين الأوائل تحت الاضطهاد.

٥. الدليل الأثري: "سفينة بحر الجليل"

​في عام 1986، وبسبب جفاف جزئي في بحر الجليل، تم اكتشاف بقايا سفينة خشبية تعود للقرن الأول الميلادي (زمن المسيح).

  • المطابقة: أبعاد السفينة (نحو 8.2 متر طولاً و2.3 متر عرضاً) تتسع بالضبط لـ 12 إلى 15 شخصاً، وهو ما يطابق عدد تلاميذ المسيح.
  • التصميم: السفينة تحتوي على مكان في "المؤخرة" كان يُستخدم لوضع الأثقال أو الوسائد، مما يدعم دقة وصف مرقس بأن يسوع كان نائماً في "المؤخرة على وسادة".
  • الأهمية: هذا الاكتشاف أثبت أن الأناجيل لم تكن تصف سفناً خيالية، بل سفناً حقيقية كانت مستخدمة في ذلك الزمان والمكان بدقة متناهية.

٦. الدليل الجغرافي والمناخي (علم الأرصاد)

​الباحثون في جغرافية فلسطين يؤكدون أن وصف العاصفة في إنجيل مرقس ليس مجرد "قصة درامية"، بل هو وصف لظاهرة طبيعية حقيقية:

  • تضاريس المنطقة: بحر الجليل ينخفض 210 أمتار تحت سطح البحر، وتحيط به جبال عالية. هذا التباين يؤدي إلى "أنفاق هوائية" تجذب الرياح الباردة من جبل الشيخ وتصطدم بالهواء الدافئ فوق البحيرة.
  • فجائية العاصفة: العلماء يؤكدون أن العواصف في هذا البحر تحدث فجأة وبدون مقدمات، وهو ما يتطابق مع وصف الإنجيل: "وحدث نوء ريح عظيم".

٧. شهادة مرقس وبطرس

كما ذكرنا سابقاً، إنجيل مرقس يُعتبر تاريخياً هو "مذكرات بطرس". وبطرس كان صياداً يمتلك سفينة في ذلك البحر.

  • ​تكرار التفاصيل الصغيرة (مثل الوسادة، ووجود سفن أخرى) هي "بصمات أصابع" لشاهد عيان. المزورون عادةً لا يهتمون بذكر تفاصيل تقنية لا تخدم القصة مباشرة، لكن شاهد العيان يذكرها لأنه رآها. 


الخلاصة للبحث:

المعجزة لم تكن مجرد حادثة إنقاذ، بل كانت تحدياً جغرافياً وبيئياً أثبت فيه يسوع سيادته على "بحر الجليل" الذي كان يمثل لسبط زبولون ونفتالي مصدر الرزق والرعب في آن واحد.


- المصادر :

١. المصادر الكتابية (الأساسية)
  • الكتاب المقدس:
    • ​إنجيل مرقس (الأصحاح 4: 35-41).
    • ​إنجيل متى (الأصحاح 8: 23-27).
    • ​إنجيل لوقا (الأصحاح 8: 22-25).
    • ​سفر المزامير (مزمور 107: 23-30).

٢. المصادر الأثرية والجغرافية

  • The Ancient Galilee Boat: تقارير سلطة الآثار الإسرائيلية (IAA) حول اكتشاف سفينة القرن الأول في منطقة "جنيسار" عام 1986.
  • Wachsmann, Shelley: كتاب "The Sea of Galilee Boat" الذي يشرح تفاصيل بناء السفن في عصر المسيح.
  • Aharoni, Yohanan: كتاب "The Land of the Bible" لدراسة تضاريس بحر الجليل وأسباب العواصف المفاجئة.

٣. المصادر الآبائية والتراثية

  • السنكسار الكندي/القبطي: القراءات الكنسية الخاصة بآحاد شهر بؤونة وتفسير المعجزات.
  • القديس يوحنا ذهبي الفم: "تفسير إنجيل متى" (العظة 28).
  • القديس أغسطينوس: "عظات على العهد الجديد" (تفسير رمزية السفينة والعاصفة).
  • أوريجانوس: "تفسير الأناجيل الإزائية

************************

اعداد / امجد فؤاد

موسوعة الديانة المسيحية 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق