تُعد أحداث "الزاوية الحمراء" التي شهدتها القاهرة في يونيو من عام 1981 علامة فارقة ومنعطفاً حرجاً في تاريخ مصر الحديث؛ فهي لم تكن مجرد اشتباك طائفي عابر في حي من أحياء القاهرة، بل كانت زلزالاً اجتماعياً وسياسياً كشف عن التصدعات التي أصابت نسيج المجتمع المصري في ظل تحولات جذرية طالت بنيته السياسية والاقتصادية والدينية في نهاية السبعينيات.
في تلك المرحلة، كانت مصر تعيش مخاضاً عسيراً وسط تصاعد حدة الخطاب الديني المتطرف، وتغيّر ملامح الطبقة الوسطى بفعل سياسات "الانفتاح"، وتنامي الاحتقان في المناطق الأكثر فقراً واكتظاظاً. وقد جاءت أحداث الزاوية الحمراء لتكون الانفجار الذي وضع الدولة المصرية أمام اختبار وجودي؛ حيث اختلطت فيها النزاعات على العقارات والمساحات العامة بالاستقطاب الديني الحاد، مما أدى إلى سقوط ضحايا أبرياء وتصدع في الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع.
يأتي هذا البحث ليحلل بعمق تسلسل تلك الأحداث، متجاوزاً السرد السطحي للواقعة ليصل إلى الأبعاد السياسية الكامنة خلفها، وليرصد ردود الفعل الرسمية التي اتخذتها الدولة بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات، والمواقف المؤسسية للكنيسة والأزهر، وتأثير تلك الأحداث على المشهد السياسي المصري، وصولاً إلى قرارات سبتمبر 1981 التاريخية. إن دراسة هذه الواقعة ليست ترفاً تاريخياً، بل هي ضرورة لفهم طبيعة التحديات التي واجهت الدولة المصرية في مواجهة التطرف والفتنة، ولتوثيق لحظة فاصلة أرادت فيها القيادة السياسية إعادة ضبط عقارب الساعة في الشارع المصري.
-----------------------
أولاً: السياق التاريخي والاجتماعي (أواخر السبعينات)
تميزت هذه الفترة في مصر بمناخ سياسي واجتماعي معقد؛ حيث كانت البلاد تمر بمرحلة التحول من الاشتراكية إلى "الانفتاح الاقتصادي"، مما أدى إلى تغيرات ديموغرافية حادة وهجرة مكثفة من الريف إلى المدن الكبرى (القاهرة تحديداً). حي الزاوية الحمراء كان نموذجاً لهذه المناطق العشوائية الناشئة التي شهدت تداخلاً سكانياً كثيفاً بين مختلف الطبقات والمشارب الفكرية، مع غياب شبه تام للبنية التحتية والخدمات الأمنية، مما جعل "الفتيل" الاجتماعي سريع الاشتعال.
-----------------------
ثانياً: جذور الأزمة وشرارة الأحداث (يونيو 1981)
لم تكن أحداث الزاوية الحمراء مجرد صدام عابر، بل كانت نتيجة تراكمات من الاحتقان الديني الذي كانت تغذيه في ذلك الوقت تيارات متشددة تسعى لفرض هيمنتها على المجال العام.
١. أصل النزاع: الأرض والموقع
تعود القصة إلى قطعة أرض فضاء تقع في قلب منطقة الزاوية الحمراء. هذه الأرض كانت ملكاً لشخص مسيحي، وكان قد تم تخصيصها وتجهيزها لتكون مكاناً لإقامة الشعائر الدينية للأقباط بالمنطقة (كنيسة)، وذلك لتلبية احتياجات التجمع القبطي الكبير في ذلك الحي الشعبي.
٢. استراتيجية الاستفزاز (محاولات التغيير القسري)
بدأت بوادر المشكلة حينما بدأت عناصر متشددة، وتحديداً من الجماعات الإسلامية التي كانت تنشط بقوة في تلك الفترة، في محاولة لوضع اليد على هذه الأرض. كانت الخطة قائمة على "فرض الأمر الواقع"، حيث تعمدت تلك العناصر إقامة الصلوات الإسلامية بشكل جماعي ومكثف داخل هذه الأرض الخاصة، بهدف تحويلها قسرياً إلى مسجد. كان الغرض الأساسي من هذه الخطوة هو استفزاز صاحب الأرض والمجتمع القبطي في المنطقة، وإحراج الدولة، وإضفاء صبغة دينية على النزاع العقاري لتحويله إلى صراع عقائدي.
3. التطور إلى انفجار (17 يونيو 1981)
في يوم الأربعاء 17 يونيو 1981، تصاعدت حدة التوتر عندما حاول صاحب الأرض والمدافعون عنها منع هذه الممارسات الاستفزازية، وهو ما قوبل بردود فعل عنيفة من قبل الجماعات التي كانت قد حشدت أعداداً كبيرة من الأفراد. تحولت المشادة الكلامية والمناوشات حول أحقية استخدام الأرض إلى معارك شوارع.
لم تكن هذه مجرد مشاجرة، بل كانت عملية منظمة؛ فقد تم استخدام مكبرات الصوت في المساجد القريبة لتحريض الأهالي وإخراجهم إلى الشوارع، بدعوى "الدفاع عن الإسلام"، مما أدى إلى تحويل المنطقة إلى ساحة حرب. بدأت "الغزوة" -كما وصفها الكثيرون ممن عاصروا الحدث- بالهجوم على المنازل والمتاجر المملوكة للأقباط، وتم استخدام زجاجات المولوتوف والأسلحة البيضاء والشوم والسيخ الحديدية.
٤. تتابع الأيام الدامية (18 - 19 يونيو)
- الخميس 18 يونيو: اتسعت دائرة الهجوم، وبدأت عمليات الحرق المنظم التي استهدفت الكيانات الاقتصادية للأقباط (الصيدليات، المحلات، الورش) والمنازل السكنية. في هذا اليوم استشهد القمص مكسيموس جرجس، الذي تعرض لأبشع أنواع التنكيل بعد أن رفض التخلي عن إيمانه تحت التهديد بالذبح.
- الجمعة 19 يونيو: اتخذت الأحداث منحىً أكثر خطورة، حيث استهدفت كنائس المنطقة (مارجرجس بالوايلي، وكنيسة القديسة دميانة). كان المخطط هو الإجهاز على الوجود القبطي في المنطقة. وهنا تجلى "صمود الكنيسة"؛ حيث قام الآباء والخدام، بالتنسيق مع الأنبا صموئيل (أسقف الخدمات العامة)، بتحصين الكنائس بشتى الطرق، واعتصم الشعب داخلها للصلاة والاستشهاد، رافضين الخروج حتى بعد أن وصلت إليهم بلاغات كاذبة من عناصر أمنية مضللة بأن الكنائس قد أُحرقت بالفعل، وذلك في محاولة لاستدراجهم للخروج إلى الشوارع حيث كان المعتدون ينتظرون.
5. الدور الأمني والقيادات العليا
في تلك اللحظة الحرجة، كانت التحركات الأمنية تتسم بالغموض؛ فبينما كان ضباط الشرطة في الميدان يؤكدون أن لديهم تعليمات أو إشارات من "قيادات عليا"، كان الوضع على الأرض يشير إلى تواطؤ أو صمت مريب من أجهزة الدولة في الساعات الأولى. لم يتوقف الهجوم إلا بعد أن بدأت المصفحات وقوات الأمن المركزي في التدخل لفض الصدام بعد أن كانت الخسائر البشرية والمادية قد بلغت ذروتها.
ثالثاً: الشهدا والمصابين :
في إطار التوثيق التاريخي لأحداث الزاوية الحمراء (يونيو 1981)، يواجه الباحثون تحدياً كبيراً فيما يتعلق بالأرقام والأسماء، وذلك بسبب التباين الشديد بين الرواية الرسمية للدولة آنذاك، وبين الروايات الميدانية والشهادات الكنسية.
(١) إشكالية أعداد الشهداء والمصابين
- الرواية الرسمية: حاولت السلطات في عام 1981 التقليل من حجم الكارثة، وأعلنت أرقاماً رسمية منخفضة للغاية (تتراوح في البيانات الحكومية الأولى بين 17 و30 قتيلاً) وذلك لامتصاص الغضب العام وتجنب التداعيات الدولية.
- الروايات الكنسية والميدانية: تؤكد التقارير الكنسية وشهادات الناجين والمنظمات الحقوقية التي تابعت الأحداث أن الرقم المعلن (81 شهيداً) هو الرقم الذي تم توثيقه وحصر أجسادهم بشكل قاطع في الكنائس، بينما تشير تقديرات ميدانية إلى أن الأعداد الحقيقية تتجاوز الـ 300 شهيد، وذلك بسبب:
- عمليات الحرق: العديد من الضحايا احترقوا داخل منازلهم ومتاجرهم ولم يبقَ منهم أثر للتعرف عليهم.
- حالات الاختفاء: هناك عائلات كاملة فُقدت تماماً ولم يتم العثور على رفاتهم.
- الخوف من التبليغ: الكثير من الأسر لم تبلغ عن ذويها المفقودين خوفاً من الملاحقات الأمنية أو استمرار الهجمات.
لا توجد قائمة رسمية واحدة منشورة من الدولة بأسماء جميع الضحايا الـ 300 أو أكثر، ولكن الكنيسة والشهادات التوثيقية سجلت الأسماء التي تمكنوا من التعرف عليها. إليك أبرزها كما ورد في السجلات الموثقة لشهداء تلك الأحداث:
- القمص مكسيموس جرجس (كاهن كنيسة مار جرجس نجع أبو ليلة طهطا والذي كان في زيارة لأقربائه في المنطقة فأمسكوه الارهابين وطلبوا منه ترك المسيحية ووضعوا السكاكين في رقبته وطلبوا منه أن ينطق الشهادتين، فرفض فذبحوه ونال اكليل الشهادة وقد تقرر دفنه بالقاهرة وعدم سفر جسده الى طهطا بلد أسرته منعا للاثارة واشعال فتنة. )
- أفراد عائلة مرزوق سمعان (ولما (لم يجدوه بالمنزل أقاموا احتفالا خاصا بحرق زوجته وأولاده أمام المنزل.)
- زخاري لوندي (حرق منزلة بما فيه وأسرته بالكامل).
- حزقيال حنا (حرق منزلة ومؤسستة المفروشات).
- د. مجدي قلدس (حرق الصيدلية بما فيها).
- د. جرجس (حرق الصيدلية بورسعيد بما فيه الدكتور).
- د. سليمان شرقاوي.(حرق الصيدلية بنا فيه وهو داخلها)
- ملاك بشرى.(حرق محله ومات بداخله)
- زكي جرجس..(حرق محله البوتيك ومات بداخله)
- صبحي الفيل..(حرق محله ومات بداخله)
- جورج عزيز صليب..(حرق محله المجوهرات ومات بداخله)
- كامل الأسيوطي..(حرق محله المفروشات ومات بداخله)
- رياض غالي.(حرق منزله وعائلته كلها)
- ملاك عريات.(حرق منزلة ومات بداخله)
- ملك فايز.(حرق منزلة ومات بداخله)
- حبيب صليب.(حرق منزلة ومات بداخله)
- ناشد كيرلس.(حرق منزلة ومات بداخله)
- فايز عوض.(حرق منزلة ومات بداخله)
- شنودة جرجس.(حرق منزلة ومات بداخله)
- عياد عوض.(حرق منزلة ومات بداخله)
- عزيز صليب.(حرق منزلة ومات بداخله وعائلته)
- وتم ذبح المرحوم كامل جرجس داخل منزله.
(ملاحظة: هذه الأسماء تمثل رؤوس العائلات أو الأفراد الذين تم حرقهم في منازلهم ومتاجرهم، وكل اسم منها يمثل في الواقع عائلة كاملة أو مجموعة أفراد كانوا في المكان).
(٣) المصابون
أما بخصوص المصابين، فلم يتم إصدار أي قوائم رسمية بأسمائهم. تشير التقارير الميدانية إلى أن عدد المصابين بالآلاف، وتنوعت إصاباتهم بين:
- حروق من الدرجة الثالثة (بسبب إلقاء زجاجات المولوتوف الحارقة).
- إصابات قطعية بأسلحة بيضاء (سواطير، سيوف، سكاكين).
- كسور وجروح ناتجة عن التراشق بالحجارة والشوم.
لماذا يصعب توثيق الأسماء بالكامل؟
يعود ذلك إلى أن التوثيق لم يكن أولوية لدى الدولة في ذلك الوقت، بل على العكس، كانت هناك رغبة في "طمس" تفاصيل الحادث والتعامل معه كأمر انتهى. والعديد من العائلات التي فقدت ذويها هاجرت من المنطقة فوراً أو غيرت أماكن سكنها خوفاً على حياتها، مما جعل عملية حصر أسماء الـ 300 شهيد والمصابين أمراً غاية في الصعوبة حتى يومنا هذا.
-----------------------
رابعاً : المواقف الرسمية والمجتمعية
بعد أن هدأت حدة الاشتباكات المباشرة، بدأت مرحلة "الفرز السياسي والديني" للمواقف:
١. رد فعل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
كان رد الفعل الكنسي مزيجاً من الصدمة، الحزن، والمطالبة بالعدالة:
- إلغاء احتفالات العيد: اتخذ البابا شنودة الثالث قراراً تاريخياً بإلغاء كافة الاحتفالات الرسمية بعيد القيامة (عام 1981) تعبيراً عن حالة الحزن الشديد على شهداء الزاوية الحمراء، وللتنديد بتقاعس أجهزة الدولة عن حماية الأقباط.
- المطالبة بالتحقيق: طالب البابا بفتح تحقيق عادل ومستقل في الأحداث، ومحاسبة الجناة، وتوفير الحماية للكنائس والمنازل القبطية في المناطق العشوائية، وهو ما اعتبره السادات لاحقاً "تدخلاً في شؤون الدولة".
- تحمل المسؤولية: لعبت الكنيسة دوراً محورياً في إيواء النازحين من الزاوية الحمراء، وتوفير الطعام والكساء لهم داخل الكاتدرائية والمدارس الكنسية، وتحولت المؤسسات الكنسية إلى "ملاذ آمن" لمن فقدوا منازلهم.
٢. موقف الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية الإسلامية
اتسم موقف المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر) بالدعوة إلى ضبط النفس والوحدة الوطنية:
- خطاب التهدئة: أصدر شيخ الأزهر والعلماء الكبار بيانات تدين "الفتنة" وتؤكد على حرمة الدم، وتدعو إلى نبذ العنف.
- الجانب الرسمي: حرص الأزهر في خطابه على إدانة أطراف النزاع دون تحديد دقيق للجناة، مع التركيز على قيم "الأخوة والمواطنة" في الإسلام، وذلك لتهدئة الشارع الذي كان يغلي.
- التحدي: واجه الأزهر تحدياً داخلياً كبيراً، حيث كانت هناك عناصر متطرفة ترفض بيانات التهدئة وتعتبر أن "الهجوم" كان دفاعاً عن "المقدسات"، مما خلق فجوة بين الخطاب الرسمي للأزهر وبين ما كان يحدث على أرض الواقع في الأحياء الشعبية.
٣. ردود الفعل الدولية
تحولت أحداث الزاوية الحمراء إلى "قضية رأي عام دولي":
- المنظمات الحقوقية: أدانت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى طريقة تعامل السلطات المصرية مع الأزمة، وانتقدت الاعتقالات الجماعية التي تلتها، واعتبرتها انتهاكاً لحقوق الإنسان.
- الدول الغربية: أبدت الولايات المتحدة وأوروبا قلقاً كبيراً تجاه حالة الاستقرار في مصر، خاصة أن أحداثاً كهذه تهدد "اتفاقية السلام" وتُظهر ضعف الدولة في حماية الأقليات الدينية.
-----------------------
خامساً: حمله اعتقالات في ٣، ٥ سبتمبر ١٩٨١
بعد أحداث الزاوية الحمراء، اتخذت الكنيسة موقفاً معارضاً، وطالب الأقباط بحمايتهم ومحاسبة الجناة، وتصاعدت حدة الخطاب ضد الدولة. في المقابل، اتهم السادات "المعارضة" (سواء الدينية أو السياسية) بأنها تستغل الفتنة الطائفية لزعزعة استقرار حكمه. وعليه، في 3 و5 سبتمبر 1981، أصدر قرارات باعتقال أكثر من 1500 شخصية من مختلف التوجهات.
(١) اعتقالات رجال الدين (الأساقفة والكهنة)
كان الهدف من اعتقال هؤلاء هو "تفريغ" الكنيسة من قياداتها المعارضة وتأديبها بعد موقفها من أحداث الزاوية الحمراء.
وسجن 8 أساقفة بسجن المرج هم :
١- الأنبا أمونيوس أسقف الأقصر،
٢- الأنبا بموا رئيس دير مارجرجس بالخطاطبة، السادات، المنوفية،
٣- الأنبا بنيامين أسقف المنوفية،
٤- الأنبا بيشوى أسقف دمياط
٥-الأنبا بيمن، أسقف ملوى،
٦-الأنبا تادرس، أسقف بورسعيد،
٧- الأنبا فام، أسقف طما،
٨- الأنبا ويصا، أسقف البلينا،
بالإضافةً إلى ٢٦ كاهن منهم :
١ للقمص أثناسيوس بطرس (القاهرة)
٢ القمص إبراهيم عبده (القاهرة)
٣ القمص إفرايم ميخائيل (طما)
٤ القمص باسيليوس القمص سدراك
٥ القمص بولس باسيلي (المنيا)
٦ القمص بيشوي (القاهرة)
٧ القمص بيشوي فخري (بورسعيد)
٨ القمص بيشوي لمعي (جرجا)
٩ القمص يسى (مصر الجديدة)
١٠ القمص تادرس يعقوب ملطي
١١ القمص تيموثاوس الإسكندرية
١٢ القمص ميلاد بشارة (سوهاج)
١٣ القمص جرجس رزق الله (الإسكندرية)
١٤ القمص داود بولس (صدفا)
١٥ القمص زكريا بطرس(مصر الجديدة)
١٦ القمص صرابامون عبده (إمبابة)
١٧القمص صموئيل ثابت (الإسكندرية)
١٨ القمص عبد المسيح يوسف (طهطا)
١٩ القمص عبد الملاك رياض (سوهاج)
٢٠ القمص فليمون سمعان (طهطا)
٢١ القمص فيلبس وفقي (الفيوم)
٢٢ القمص لوقا سيداروس (الإسكندرية)
٢٣القمص مكسيموس مشرقي (المراغة)
٢٤ القمص موسى عيسى (الدويرات)
٢٥ القمص يوسف أسعد (الجيزة)
٢٦ القمص يوسف كامل (أسيوط)
بعض الأراخنة والعِلمانيين الأقباط الذين سُجِنوا في سجن المرج:
١ القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير (وهو عِلماني - قبل رسامته كاهنًا)
٢ ثروت (مدرس تربية رياضية في مدرسة ثانوية - أسيوط)
٣ أ. سمير تادرس (محرر في الأخبار)
٤ أ. فيليب (ناظر مدرس - السويس)
٥ عادل بسطوروس المحامي
٦ أ. جورج (سوهاج)
٧ د. نبيل (سوهاج)
٨ أ. عبد المسيح (مدرس - بنها)
وتمت مصادرة عدد من الصحف من بينها الكرازة ووطنى، ووجُهّت اتهامات لهم بالتعصب وتعريض الوحدة الوطنية للخطر، كما وجهت للبابا تهمة الحض على كراهية النظام وإضفاء الصبغة السياسية على منصب البطريرك.
(٢) اعتقالات الشخصيات السياسية والحزبية
لم يقتصر الأمر على الكنيسة، بل شملت الاعتقالات كل من انتقد سياسات السادات، سواء من اليسار، اليمين، الليبراليين، أو حتى الإسلاميين.
- من أبرز الأسماء:
- من التيار الإسلامي: (مثل د. عمر التلمساني، مرشد الإخوان المسلمين).
- من المعارضة السياسية والليبرالية واليسارية: (مثل فؤاد سراج الدين، محمد حسنين هيكل، د. فؤاد مرسي، د. نوال السعداوي، د. ميلاد حنا، وغيرهم من قادة الأحزاب والمثقفين).
- العدد الإجمالي: قُدر بـ 1536 معتقلاً.
- التهمة: ادعى السادات أن هؤلاء جميعاً -رغم تناقض توجهاتهم- يشتركون في "إثارة الفتنة الطائفية" و"تهديد الوحدة الوطنية".
- الهدف: كان السادات يهدف إلى "تصفير" الخريطة السياسية والدينية، وإجبار الجميع على الصمت بعد أن أحدثت أحداث الزاوية الحمراء شرخاً لا يمكن إصلاحه بسهولة، فقرر أن "يضرب الجميع ببعضهم" ليمسك هو بزمام الأمور.
-----------------------
في أعقاب أحداث الزاوية الحمراء، اتخذ الرئيس أنور السادات موقفاً حاداً، وقرر التحدث أمام مجلس الشعب في خطابه الشهير بتاريخ 5 سبتمبر 1981 (والذي سبق قرارات التحفظ الشهيرة في نفس الشهر)، ليُقدم رؤيته للأحداث أمام الأمة.
١. واقعة "المياه والغسيل" (نص كلام السادات)
ذكر السادات في خطابه بلهجته العامية: "حادث بسيط في الزاوية الحمرا، خناقة زي أي خناقة بين الجيران، غسيل في بلكونة مواطن نزلت منه مياه على غسيل في بلكونة المواطن اللي تحتيه.. والظاهر إنها مياه (مش ولا بد) يعني.. وتتحول إلى إشاعات مؤسفة".
استخدم السادات هذا التشبيه ليعبر عن وجهة نظره بأن النزاع بدأ كأزمة اجتماعية "تافهة" أو "بسيطة" في ظروف سكنية مزدحمة، لكنها سرعان ما استُغلت من قبل "أطراف" (أشار إليها لاحقاً) لتأجيج فتنة طائفية واسعة النطاق.
٢. قراره بشأن عزل البابا شنودة الثالث
في الخطاب نفسه، وتدعيماً لموقفه الذي اعتبر أن البابا شنودة الثالث قد تدخل في السياسة وأجج مشاعر الأقباط ضد الدولة، أعلن السادات قراراته التي تضمنت:
- إلغاء قرار تعيين البابا شنودة الثالث: وقام بقراءة القرار في البند الثامن ونصه كالتالي: "إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 2782 لسنـ1971ـة بتعيين الأنبا شنودة بابا الإسكندرية وبطريركا للكرازة المرقصية
- تحديد الإقامة: أمر السادات بتحديد إقامة البابا شنودة الثالث في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.
- تشكيل لجنة باباوية: قرر تشكيل لجنة من خمسة أساقفة لإدارة شؤون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بدلاً من البابا، وهم: -
١- الأنبا مكسيموس، أسقف القليوبية
٢- الأنبا صموئيل، أسقف الخدمات، وبعد اغتياله يوم 6 أكتوبر تم اختيار الأنبا باخوميوس مطران البحيرة
٣- الأنبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمى
٤- الأنبا أثناسيوس، أسقف بنى سويف
٥- الأنبا يوأنس، أسقف الغربية
وذلك لكي لا تبقى الكنيسة بدون من يمثلها لدى الدولة". ثم ذكر الرئيس في تفسير سبب اتخاذ هذا القرار ما نصه: "أجريت هذا بعد أن استشرت المخلصين للبلاد والكنيسة. وعلى هؤلاء الأساقفة سرعة معالجة الشعور القبطي العام في الداخل والخارج لكسر حاجز التعصب والحقد والكراهية وبث روح المحبة والتسامح. وعلى هذه اللجنة أن تتقدم للحكومة بكل الاقتراحات المناسبة لإعادة الكنيسة إلى وضعها التقليدي الأصيل كنسيج حي في جسم الدولة، وترسيخ روح الحب والوداعة والصبر والحكمة تجاه جميع الطوائف والناس والتي كانت فيه رائدة لكل كنائس العالم. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين" انتهى بنصه صوتا وصورة .
فديو قرار السادات بعزل البابا
https://youtu.be/qJ52Q3tp2n0
فيلم وثائقي : عزل البابا شنودة الثالث
https://youtu.be/9ustojbrTcI
٣. أسباب عزل البابا شنودة (حسب رؤية السادات)
أبرز الأسباب التي ساقها السادات لتبرير هذا القرار التاريخي كانت:
- اتهام البابا بالتدخل في السياسة: رأى السادات أن البابا شنودة تجاوز حدود مهامه الدينية ليصبح "زعيماً سياسياً" يعارض سياسات الدولة.
- الخطاب التحريضي: اتهم السادات البابا بإلقاء عظات (خاصة في الكاتدرائية) كانت تثير غضب المسلمين وتحرض الأقباط ضد الدولة وضد نظام الحكم، مشيراً إلى أن ذلك يهدد الوحدة الوطنية.
- استغلال الأزمات: اعتبر السادات أن البابا شنودة استخدم أحداث الزاوية الحمراء والمنازعات الطائفية كأداة للضغط على الحكومة بدلاً من العمل على تهدئة النفوس.
هذا القرار كان بمثابة "زلزال" داخل الكنيسة القبطية وفي أوساط الأقباط في مصر، وظل البابا شنودة في دير وادي النطرون حتى أصدر الرئيس مبارك قراراً بعودته عام 1985.
تُعد واقعة اغتيال الرئيس أنور السادات "نقطة النهاية" لسلسلة من الاحتقانات التي وصلت إلى ذروتها في صيف وخريف عام 1981. لم يكن حادث المنصة حدثاً معزولاً، بل كان "انفجاراً" طبيعياً لمناخ سياسي مشحون بالقرارات التي اتخذها السادات في سبتمبر من نفس العام.
١. الربط بين قرارات سبتمبر وحادث المنصة
بعد أقل من شهر على حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت قيادات الكنيسة، والرموز السياسية، وقادة التيار الإسلامي، تحولت مصر إلى "برميل بارود". شعر المتطرفون -خاصة من كانوا ينتمون لتنظيمات جهادية- أن السادات قد أعلن عليهم الحرب الشاملة، فقرروا الرد قبل أن يتم تصفيتهم بالكامل. أصبحت منصة الاحتفال بالعيد الثامن لانتصارات أكتوبر هي المسرح الذي اختاره هؤلاء لتوجيه ضربتهم الحاسمة.
٢. الجهة المسؤولة عن الاغتيال
الجهة التي نفذت عملية الاغتيال هي تنظيم "الجهاد الإسلامي"، وبالتحديد خلية صغيرة داخل الجيش المصري كانت تتبنى أفكاراً تكفيرية.
٣. الأشخاص المنفذون (الخلية)
تكونت المجموعة التي نفذت العملية من أربعة أفراد، قادهم الملازم أول خالد الإسلامبولي، وهم:
- خالد الإسلامبولي: (الملازم أول بسلاح المدفعية) وهو الذي قاد الشاحنة وتوجه مباشرة نحو المنصة لفتح النيران.
- عبد الحميد عبد السلام: (ملازم أول احتياط) وهو الذي قام بإلقاء القنابل اليدوية على المنصة.
- عطا طايل: (ملازم أول مهندس) وهو الذي شارك في إطلاق النار.
- حسين عباس: (رقيب متطوع) وهو القناص الذي تولى مهمة إصابة الرئيس مباشرة.
- التخطيط والدعم: انضمت عناصر أخرى لدعم الخلية وتهريب الأسلحة، من أبرزهم
محمد عبد السلام فرج (منظّر الجماعة)
وعبود الزمر (ضابط الاستخبارات السابق الذي خطط للعملية)
٤. تفاصيل لحظة الاغتيال
في يوم 6 أكتوبر 1981، وأثناء العرض العسكري، توقفت إحدى الشاحنات المشاركة في العرض فجأة أمام المنصة الرئيسية. نزل منها المهاجمون، واندفعوا نحو المنصة وهم يطلقون وابلاً من الرصاص، ظاناً الحرس في البداية أنه "جزء من العرض"، مما منحهم ثوانٍ حاسمة للوصول إلى هدفهم.
٥.الضحايا في حادث المنصة
لم يقتصر الأمر على اغتيال الرئيس السادات وحده، بل سقط معه عدد من الشخصيات، من بينهم:
- الأنبا صموئيل: (أسقف الخدمات العامة والاجتماعية).
- اللواء حسن علام: (رئيس أركان حرب القوات المسلحة).
- عدد من الحضور والمسؤولين: سقط أيضاً عدد من الدبلوماسيين وضيوف المنصة.
٦. التداعيات السياسية الفورية
- نهاية حقبة: أدى الاغتيال إلى إنهاء حكم السادات الذي استمر 11 عاماً، وفتح الباب لمرحلة جديدة قادها نائبه (حسني مبارك).
- حالة الطوارئ: أعلنت الدولة حالة الطوارئ فوراً، وبدأت عمليات مطاردة واسعة لأعضاء تنظيم الجهاد والجماعات الإسلامية، وتمت محاكمتهم في قضية عُرفت باسم "قضية اغتيال السادات"، وانتهت بإعدام المنفذين الأربعة وعدد من قيادات التنظيم (مثل محمد عبد السلام فرج).
- الدروس المستفادة: أثبت هذا الحادث أن "سياسة الصدام" التي انتهجها السادات في شهوره الأخيرة (مع الكنيسة، مع السياسيين، ومع الإسلاميين) أدت إلى حالة من الهشاشة الأمنية التي استغلها المتطرفون لتوجيه ضربة مكنتهم من إحداث تغيير جذري في رأس السلطة.
تُعد رحلة الأحداث التي انطلقت من "الزاوية الحمراء" في يونيو 1981 وصولاً إلى "حادث المنصة" في أكتوبر 1981، تجسيداً مأساوياً للنتائج الوخيمة التي تترتب على غياب السلم المجتمعي وتصاعد الخطاب المتطرف. إن هذه الأحداث لم تكن مجرد سلسلة من التواريخ والوقائع المنفصلة، بل كانت "نذير شؤم" كشف عن تصدعات عميقة في بنية المجتمع والدولة المصرية آنذاك.
لقد بدأت الأزمة في الزاوية الحمراء كنزاع محلي على مساحة أرض، ولكنها سرعان ما تحولت -بسبب غياب الحكمة في إدارة الأزمات وتغلغل التطرف- إلى فتنة دموية أزهقت أرواح العشرات (بل المئات وفقاً للتقديرات الميدانية)، وأدخلت المجتمع في دوامة من التوتر الطائفي والسياسي. وبدلاً من أن تسعى الدولة إلى تضميد هذه الجراح عبر الحوار والعدالة، اختار الرئيس السادات في قرارات سبتمبر 1981 الحل الأمني الشامل، معتقداً أن "القبضة الحديدية" ستنهي الأزمة، فقام باعتقال رموز المجتمع، من كهنة وأساقفة ومثقفين وقادة سياسيين، مما أدى إلى تعميق الهوة بين الدولة ومواطنيها.
إن الحقيقة التاريخية التي تفرض نفسها هي أن سياسة "الصدام" التي انتهجها النظام لم تُخمد نيران الفتنة، بل أدت إلى إضعاف جبهته الداخلية، مما جعل الدولة عرضة لضربات المتطرفين، وهو ما تجلى بوضوح في حادث المنصة. لقد انتهت تلك الحقبة برحيل رأس السلطة، ولكنها تركت خلفها إرثاً ثقيلاً من الاحتقان الذي استغرق عقوداً لمحاولة معالجته.
ختاماً، تظل أحداث عام 1981 درساً قاسياً ومستداماً؛ إذ تؤكد أن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على القمع أو اختزال الأزمات الكبرى في أسباب واهية (مثل قصة "غسيل البلكونة")، بل تُقاس بقدرتها على الحفاظ على نسيجها الوطني، وتطبيق القانون بعدالة على الجميع دون تمييز، والتعامل بجدية مع جذور التطرف قبل أن تستفحل. إن توثيق هذه الأحداث ليس تذكيراً بالماضي بقدر ما هو دعوة للوعي، لكي لا تكرر الأجيال أخطاءً كلفت الوطن غالياً من دماء أبنائه واستقراره.
- مذكرات محمد أنور السادات (البحث عن الذات): رغم أنها كُتبت قبل الأحداث، إلا أن قراءة ما يكتبه السادات عن رؤيته للدولة والمنظمات الإسلامية يعطي فهماً لخلفية قراراته.
- كتاب "خريف الغضب" لمحمد حسنين هيكل: يُعد من أهم المراجع التي حللت تلك الفترة، حيث تعرض هيكل بالتفصيل لأحداث الزاوية الحمراء، وقرارات سبتمبر، وسقوط السادات، وحلل بجرأة التناقضات التي أدت إلى تلك النهاية.
- مذكرات جيهان السادات: تعطي رؤية من داخل "بيت الحكم" لكيفية رؤية السيدة الأولى للتوترات التي سبقت حادث المنصة.
- مذكرات البابا شنودة الثالث: (سلسلة محاضراته وعظاته المسجلة والمكتوبة في تلك الفترة، خاصة تلك التي تناولت أزمة الكنيسة مع الدولة).
- إصدارات "المؤسسات القبطية" (مجلة الكرازة): أرشيف مجلة الكرازة في الفترة من يونيو إلى أكتوبر 1981 يحتوي على البيانات الرسمية للكنيسة، وروايات شهود العيان، وأسماء الشهداء التي تم توثيقها كنسياً.
- كتاب "البابا شنودة الثالث ومواقف تاريخية": توجد عدة كتب توثيقية صدرت عن دير الأنبا بيشوي والمركز الثقافي القبطي تناولت فترة "تحديد الإقامة" والأحداث التي سبقتها.
- دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (مصر): توجد تقارير بحثية حول "ظاهرة العنف الطائفي في مصر" تناولت أحداث 1981 كدراسة حالة (Case Study) لفهم جذور الصراع.
- أرشيف جريدة الأهرام (العدد الدولي): كما ذكرتَ أنت في استفسارك، فإن الحوارات الصحفية التي أُجريت لاحقاً مع شخصيات مثل اللواء حسن أبو باشا (وزير الداخلية الأسبق) تُعد مصدراً مهماً جداً للاعترافات الأمنية الرسمية عما حدث في الكواليس.
- كتاب "الجهاد الإسلامي في مصر" (دراسات عن تنظيم الجهاد): توجد كتب لباحثين مثل (ضياء رشوان، أو نبيل عبد الفتاح) حللت هيكلية تنظيمات "الجهاد" وكيفية تنفيذهم لعملياتهم، وتناولت الربط بين أحداث الزاوية الحمراء وقرارات سبتمبر واغتيال السادات.
- تقارير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) لعام 1981: أصدرت المنظمة تقارير مفصلة عن حالة حقوق الإنسان في مصر خلال تلك الفترة، وتناولت بالتفصيل حملة الاعتقالات الجماعية في سبتمبر 1981.
- وثائق الخارجية الأمريكية (الأرشيف المفتوح): بعد مرور أكثر من 40 عاماً، أصبحت الكثير من البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي كانت تُرسل من السفارة في القاهرة إلى واشنطن حول "أحداث الزاوية الحمراء" متاحة للاطلاع، وهي مصدر توثيقي غاية في الأهمية والحيادية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق