بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 12 يونيو 2026

+ الرسل السبعون الذي اختارهم يسوع المسيح

+ الرسل السبعون الذي اختارهم يسوع المسيح :


- محتويات الموضوع : 

مقدمة

اولا : تفاصيل الإرسالية 

ثانيا : ​الاختلاف في العدد (70 أم 72؟)

ثالثا :  أسماء رسل السيد المسيح السبعين

(١) في العهد الجديد 

(٢) في التقليد الكنسي

رابعا : أماكن كرازتهم 

خامسا : السياق التاريخي للارسالية الرسل 

سادسا : خدمة الرتب الرسولية

(١) الرتب الرسولية 
(٢) الفرق بين الرتب الرسولية
(٣) خدمة الارسالية 

سابعا : الخلافة الرسولية

خاتما

مصادر ومراجع 


------------------------

مقدمة : 

​تُعد "إرسالية السبعين" حدثاً جوهرياً في تاريخ الكرازة المسيحية؛ فهي لا تمثل مجرد إرسالٍ لتلاميذ إلى القرى، بل هي التأسيس الإلهي لمنظومة الكرازة العالمية التي انطلقت من الجليل لتطوف المسكونة. في هذا البحث، نسعى إلى سبر أغوار هذه الإرسالية التي شكلت النواة الأولى للخدمة الرسولية، رابطين بين ما ذكره الإنجيل كحدثٍ تاريخي، وبين ما جسدته نصوص العهد الجديد كواقع كنسي.

​يأتي هذا البحث ليوضح كيف تحولت هذه "الإرسالية" إلى شبكة عملٍ متكاملة، حيث تحول السبعون من مجرد تلاميذ مرسلين إلى قادة وأعمدة للكنائس الأولى، حملوا على عاتقهم مسؤولية نقل التعليم من "الكلمة المنطوقة" إلى "النص المكتوب" في الأناجيل والرسائل. وسنتناول في فصول هذا البحث تفاصيل هذه الإرسالية، بدءاً من الجدل حول العدد، مروراً بالأسماء التي حفظها لنا التقليد والعهد الجديد، وصولاً إلى أماكن كرازتهم التي غطت جغرافيا العالم القديم.

​كما سيغوص البحث في السياق التاريخي واللاهوتي لهذه الخدمة، مسلطاً الضوء على "الرتب الرسولية" التي نظمت حياة الكنيسة الناشئة، والفرق بين هذه الرتب، انتهاءً بمفهوم "الخلافة الرسولية" الذي يضمن استمرارية التعليم الرسولي ونقاوته عبر الأجيال. إن فهمنا لهذه المحاور—من الرتب والخدمة إلى التوثيق التاريخي—يعد المدخل الأساسي لإدراك كيف أرسى هؤلاء الرسل دعائم الكنيسة التي لا تزال شهادتهم فيها حية حتى اليوم.

​بهذا، يضع البحث بين يدي القارئ خارطة طريق معرفية، تربط بين أصالة النص الكتابي وعمق التقليد الكنسي، مؤكدين أن هؤلاء الرسل كانوا "العمود الفقري" الذي استندت عليه البشارة المسيحية لتصل إلينا بكل أمانة.

------------------------

اولا : تفاصيل الإرسالية :

​ترد قصة إرسالهم في إنجيل لوقا (الإصحاح 10)، وتتلخص في النقاط التالية:

  • الاختيار والهدف: "بَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ" (لوقا 10: 1).
  • طبيعة المهمة: كانت مهمتهم هي التمهيد لزيارة السيد المسيح للمدن والقرى، والتبشير بقرب ملكوت الله.
  • التوصيات: أوصاهم يسوع بالاعتماد على الله في احتياجاتهم، وعدم حمل كيس أو أحذية، وأن يحل السلام على البيوت التي يدخلونها، وأن يشفوا المرضى ويخبروهم بأن "مَلَكُوتَ اللهِ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ".
  • الرجوع بفرح: عاد السبعون إلى يسوع بفرح قائلين: "يَا رَبُّ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ" (لوقا 10: 17).
  • رد يسوع: أجابهم يسوع بأن فرحهم الحقيقي لا يجب أن يكون بسبب خضوع الأرواح لهم، بل "بِأَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لوقا 10: 20).
------------------------

ثانيا : ​الاختلاف في العدد (70 أم 72؟)

​يوجد اختلاف في المخطوطات القديمة للعهد الجديد:

  • العدد 70: يرمز في التقاليد اليهودية إلى الأمم السبعين (حسب تكوين 10)، مما يشير إلى أن رسالة يسوع موجهة للعالم أجمع وليس لليهود فقط.
  • العدد 72: يرمز إلى الأمم الاثنتين والسبعين وفقاً للترجمة السبعينية لنفس النص في سفر التكوين، أو ربما يشير إلى العدد التقليدي لمجلس السنهدريم (70 عضواً بالإضافة إلى موسى وهارون).

------------------------


ثالثا :  أسماء رسل السيد المسيح السبعين :

(١) في العهد الجديد :

ذكرت بعض اسماء الرسل السبعين في العهد الجديد ن الاناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل أسفار الرسائل 

توثيق وجودهم عبر أقسام العهد الجديد:

١. في الأناجيل الأربعة (الأساس والشهادة)

​الأناجيل هي "المصدر" الذي وثق دعوة هؤلاء الرسل وخدمتهم مع المسيح:

  • شهادة الرسل: الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) هي نصوص "تأسيسية". كُتبت إما بأيدي رسل (متى، يوحنا) أو بمرافقة رسل (مرقس مع بطرس، لوقا مع بولس).
  • إنجيل لوقا (الإصحاح 10): هو النص الوحيد الذي يوثق واقعة اختيار المسيح للسبعين وإرسالهم، وهو المرجع الأساسي الذي بنيت عليه الكنيسة فكرة هذا الفريق الرسولي.
  • إنجيل مرقس وإنجيل لوقا: يذكران أسماء تلاميذ كانوا جزءاً من الحلقة الأوسع، مثل كليوباس (لوقا 24)، الذي يُعرف بالتقليد بأنه أحد الرسل السبعين الذي التقى المسيح في الطريق إلى عمواس.
  • إنجيل يوحنا: يذكر شخصيات مثل لعازر (الذي أقامه المسيح) والذي يُدرجه التقليد ضمن السبعين.

٢.في سفر أعمال الرسل (أبطال الكرازة)

​هذا السفر هو "تاريخ تحرك" الرسل بعد القيامة، ويظهر فيه هؤلاء الرسل كقادة ميدانيين:

  • فيليبس المبشر (الأصحاح 8): يظهر كأحد "السبعة" (الشمامسة) الذين كرزوا في السامرة، وهو في التقليد من السبعين.
  • برنابا (الأصحاح 11-15): يُذكر كركيزة لكنيسة أنطاكية ورفيق بولس في الرحلة التبشيرية الأولى، وهو في التراث من السبعين.
  • اسطفانوس (الأصحاح 6-7): أول الشهداء وأحد الذين أُرسلوا في البعثة الكرازية الأولى.
  • ياسون (الأصحاح 17): يُذكر في تسالونيكي كمضيف لبولس وسيلا، ويُدرجه التقليد ضمن السبعين.

٣. في رسائل بولس (رفقاء العمل والخدمة)

​تعد رسائل بولس "المنجم الأكبر" للأسماء، حيث يحيي بولس رفقاءه بالاسم في خواتيم رسائله:

  • في رسالة رومية (الأصحاح 16): هذا الإصحاح هو "المنجم" الأكبر لأسماء رفقاء بولس الذين يُدرجهم التقليد ضمن السبعين، حيث يقول بولس:
    • أندرونيكوس ويونياس (الآية 7): يصفهما بولس بأنهما "مشهوران بين الرسل".
    • أبيلس (الآية 10): يصفه بأنه "المُزَكَّى في المسيح".
    • أريستوبولوس (الآية 10): يرسل السلام لأهل بيته.
    • هيروديون (الآية 11): يصفه بأنه "نسيبي".
    • نرجس (الآية 11): يرسل السلام لأهل بيته.
    • أبينيتوس (الآية 5): يصفه بأنه "باكورة أخائية للمسيح".
    • أوربانوس (الآية 9): يصفه بأنه "عامل معنا في المسيح".
    • أبوليوس (الآية 10): (مذكور في بعض المخطوطات).
  • في رسالة كولوسي (الأصحاح 4): هنا يذكر بولس رفقاءه الذين خدموا معه في التبشير:
    • أريستارخوس (الآية 10): يصفه بأنه "مأسور معي".
    • مرقس (الآية 10): ابن أخت برنابا.
    • أبفراس (الآية 12): يصفه بأنه "عبد للمسيح" وأنه كان يجتهد لأجلهم في الصلوات.
    • أرخبس (الآية 17): يوجه له كلمة تشجيع لخدمته.
    • تيكيوس (الآية 7): يصفه بأنه "الأخ المحبوب والخادم الأمين".
  • في رسالة فيلبي (الأصحاح 4): ذكر إبافروديتس (الآية 18) كخادم أرسلته الكنيسة لإغاثة بولس، ويُدرجه التقليد في السبعين.
  • في الرسائل الرعوية (تيموثاوس وتيطس)
    • تيموثاوس (رسالة تيموثاوس الأولى والثانية): يذكره بولس كابنه في الإيمان والأسقف الذي أرسله لأفسس.
    • تيطس (رسالة تيطس): يذكره بولس كخادمه الذي تركه في كريت لينظم شؤون الكنيسة.
  • في رسالة فليمون: ذكر أونيسيموس وفليمون، وهما من الشخصيات المحورية في الكرازة البيتية.

٤. في الرسائل الجامعة (الشهادة الرسولية)

​تساهم الرسائل الأخرى في توثيق الخدمة العالمية لهؤلاء الرسل:

  • رسائل بطرس: يشير فيها إلى "مرقس" (بطرس الأولى 5: 13) كابنه الروحي، ومرقس هو الإنجيلي المنسوب للسبعين.
  • رسالة يعقوب: كاتبها هو يعقوب أخو الرب، الذي يُعتبر في التقليد أول أسقف لأورشليم وأحد أعمدة الرسل السبعين.
  • رسالة يوحنا: يذكر فيها "غايوس" (يوحنا الثالثة 1) الذي استضاف المرسلين، ويُدرجه التقليد ضمن السبعين الذين استقبلوا الإيمان وساعدوا في نشره.

(٢) في التقليد الكنسي : 

 التقليد الكنسي (خاصة في الكنيسة الأرثوذكسية) وكتب التاريخ الكنسي القديم (مثل كتابات المؤرخين يوسابيوس القيصري، وهيبوليتوس، ودوروثاوس)، حيث وضعت الكنيسة في القرون الأولى قوائم تضمنت أسماء تلاميذ المسيح الذين كرزوا بالإنجيل في العصر الرسولي، الذين ساهموا في نشر المسيحية في القرون الأولى.

​إليك أبرز الشخصيات التي أجمعت التقليدات الكنسية على إدراجها ضمن قائمة السبعين رسولًا:

  1. ​أبينيتوس (Epenetus)
  2. ​أبيلس (Apelles)
  3. ​أبولوس (Apollos)
  4. ​أربانوس (Urbanus)
  5. ​أرخبس (Archippus)
  6. ​أريستارخوس (Aristarchus)
  7. ​أريستوبولوس (Aristobulus)
  8. ​أرتماس (Artemas)
  9. ​أسينكريتس (Asyncritus)
  10. ​أسطفانوس (Stephen)
  11. ​أغابوس (Agabus)
  12. ​أكويلا (Aquila)
  13. ​أمبلياس (Ampliatus)
  14. ​أندرونيكوس (Andronicus)
  15. ​أونسيفوروس (Onesiphorus)
  16. ​أونيسيموس (Onesimus)
  17. ​إبافروديتس (Epaphroditus)
  18. ​إيبافراس (Epaphras)
  19. ​إيراستوس (Erastus)
  20. ​إيفوديوس (Evodius)
  21. ​بارميناس (Parmenas)
  22. ​برنابا (Barnabas)
  23. ​بروخورس (Prochorus)
  24. ​بوديس (Pudens)
  25. ​تداوس (Thaddaeus)
  26. ​تروفيموس (Trophimus)
  27. ​تريتيوس (Tertius)
  28. ​تيموثاوس (Timothy)
  29. ​تيطس (Titus)
  30. ​تيكيوس (Tychicus)
  31. ​حنانيا (Ananias)
  32. ​روفس (Rufus)
  33. ​ستاخيس (Stachys)
  34. ​سوسيباترس (Sosipater)
  35. ​سوستانيس (Sosthenes)
  36. ​سمعان بن كليوباس (Simon, son of Cleopas)
  37. ​زينون (Zenas)
  38. ​سيلا (Silas)
  39. ​غايوس (Gaius)
  40. ​فليغون (Phlegon)
  41. ​فليمون (Philemon)
  42. ​فورتوناتوس (Fortunatus)
  43. ​فيلبس المبشر (Philip the Evangelist)
  44. ​فيلولُغُس (Philologus)
  45. ​كاربوس (Carpus)
  46. ​كفرينوس (Cephas)
  47. ​كليوباس (Cleopas)
  48. ​كليمنت (Clement)
  49. ​كودراتس (Quadratus)
  50. ​كوار توس (Quartus)
  51. ​لوقا الإنجيلي (Luke)
  52. ​لوكيوس (Lucius)
  53. ​ماركوس (Marcus)
  54. ​مرقس الإنجيلي (Mark)
  55. ​نرجس (Narcissus)
  56. ​نركيسوس (Narcissus - آخر)
  57. ​نيكانور (Nicanor)
  58. ​هيروديون (Herodion)
  59. ​هيرماس (Hermas)
  60. ​ياسون (Jason)
  61. ​يجسطس (Justus)
  62. ​يعقوب أخو الرب (James, brother of the Lord)
  63. ​يوليوس (Julius)
  64. ​أوليمباس (Olympas)
  65. ​أبوليوس (Apullius)
  66. ​بتروباس (Patrobas)
  67. ​تيمون (Timon)
  68. ​سيسينوس (Sisinnius)
  69. ​أخائيكوس (Achaicus)
  70. ​تابور (Tabor)
---------------------------

رابعا : أماكن كرازتهم:

لقد انتشر هؤلاء الرسل في مختلف أنحاء العالم المعروف آنذاك، وإليك أبرز الوجهات التي يذكرها التقليد الكنسي لكل منهم:

  • أورشليم وفلسطين: خدم فيها يعقوب أخو الرب كأسقف لأورشليم، وخدم اسطفانوس وفيلبس في القدس والسامرة.
  • مصر وشمال أفريقيا: يُعتبر مار مرقس الإنجيلي هو كاروز الديار المصرية (الإسكندرية)، ورافقه في مناطق أخرى لوكيوس وآخرون.
  • آسيا الصغرى (تركيا الحالية): كانت مسرحاً واسعاً لخدمة العديد منهم، حيث أسس تيموثاوس كنيسة أفسس، وخدم أكويلا وبريسكلا في أفسس وكورنثوس، كما خدم فليمون وأرخبس في كولوسي، وتيطس في جزيرة كريت.
  • اليونان وروما: خدم أبولوس في كورنثوس، كما سافر أريستارخوس مع بولس الرسول إلى مدن يونانية عديدة، وخدم كليمنت في روما حيث أصبح أسقفاً لها.
  • أوروبا وشبه الجزيرة العربية: يذكر التقليد أن البعض سافر إلى أطراف أيبيريا (إسبانيا)، وبلاد ما بين النهرين، وشبه الجزيرة العربية (كما في حالة تداوس الذي يُنسب إليه التبشير في مناطق واسعة من الشرق).
  • قبرص: كرز فيها برنابا الذي عاد إلى موطنه الأصلي ليضع أساسات الكنيسة هناك.
------------------------

خامسا : السياق التاريخي للارسالية الرسل : 

في السياق التاريخي واللاهوتي المسيحي، إرسالية السبعين رسولاً (لوقا 10) تحمل دلالات عميقة، إليك السياق التاريخي والروحي لها:

١. الرمزية التوراتية (العدد 70)

​السياق التاريخي يعود إلى الجذور اليهودية التي كان يسوع وتلاميذه جزءاً منها:

  • السبعون شيخاً: في سفر العدد (11: 16-25)، اختار موسى النبي سبعين شيخاً ليساعدوه في تدبير شعب إسرائيل وحل عليهم روح الله. يسوع المسيح، في نظر الكنيسة، جاء ليتمم هذا الرمز؛ فبإرساله سبعين رسولاً، يؤسس "شعب الله الجديد" الذي يتجاوز حدود أسباط إسرائيل الاثني عشر.
  • الأمم السبعون: في سفر التكوين (الإصحاح 10)، يُذكر أن عدد نسل نوح بعد الطوفان كان سبعين، وهو ما كان يُعتبر في التفكير اليهودي إشارة إلى "كل أمم الأرض". لذا، اختيار يسوع للسبعين كان إشارة رمزية إلى أن رسالته ليست لليهود فقط، بل لكل الأمم والشعوب.

٢. التمهيد للكرازة (المهمة العملية)

​تاريخياً، لم يكن هؤلاء الرسل "مؤسسين دائمين" بقدر ما كانوا "سابقين للمسيح":

  • ​كان يسوع يتنقل في قرى الجليل، وكان يرسلهم "اثنين اثنين" ليعدّوا الطريق، أي ليوفروا مكاناً لاستقباله، وليهيئوا الناس ذهنياً وروحياً لاستقبال تعاليمه.
  • ​كانت إرساليتهم "محدودة جغرافياً" في ذلك الوقت بالمدن التي كان يسوع ينوي زيارتها، لكنها كانت تدريباً عملياً لهم على نمط الحياة الكرازية التي سيقومون بها لاحقاً بعد قيامته.

٣. سياق التكليف والاعتماد (الزهد التام)

​التعليمات التي أعطاها يسوع لهم كانت قاسية من الناحية العملية، لكنها تحمل سياقاً روحياً:

  • ​"لا تحملوا كيساً ولا مزوداً ولا أحذية": كان هذا تأكيداً على الاعتماد الكامل على العناية الإلهية (الاتكال على الله).
  • ​كان عليهم ألا ينشغلوا بالترتيبات المادية (الطعام أو المال)، بل بالتركيز على إيصال الرسالة (ملكوت الله) والسلام.

٤. التحول بعد القيامة

​السياق التاريخي يختلف بشكل جذري بعد "يوم الخمسين" (حلول الروح القدس):

  • ​قبل القيامة: كانت مهمتهم مؤقتة، محلية، ومرتبطة بوجود المسيح الجسدي.
  • ​بعد القيامة: تحولت إرساليتهم من "التمهيد لزيارة يسوع" إلى "الشهادة لقيامة يسوع" في العالم أجمع. وهنا بدأ هؤلاء الأشخاص (الذين كانوا مجرد تلاميذ) يتحولون إلى قادة وكاروزين أسسوا الكنائس في الشام، ومصر، واليونان، وآسيا الصغرى، وروما.

بإيجاز: إرسالية السبعين هي لحظة مفصلية في التاريخ المسيحي، انتقلت فيه الكنيسة من مرحلة "التلقي" (تلاميذ يسمعون) إلى مرحلة "الشهادة" (رسل يكرزون)، وهي الخطوة الأولى نحو عالمية الرسالة المسيحية.


-------------------------

سادسا : خدمة الرتب الرسولية:

(١) الرتب الرسولية :

١."التميز بين الرتب" (Distinction of Ranks)

​في العلوم اللاهوتية، يُشار إلى التفرقة بين "الاثني عشر" وبقية التلاميذ بـ التميز بين الرتب والمهام. فالكتاب المقدس (خاصة في العهد الجديد) يستخدم مصطلح "رسول" (أبوستولوس) بمعنيين:

  • المعنى الخاص: ويقصد به "الاثني عشر" الذين اختارهم المسيح بنفسه ليكونوا شهوداً للقيامة ولهم سلطة تأسيس الكنيسة.
  • المعنى العام: ويقصد به "المرسَلين" (مثل السبعين)، وهم الذين لديهم تكليف بالخدمة والكرازة، لكنهم ليسوا في نفس رتبة الاثني عشر.

٢. "الأولوية الرسولية" (Apostolic Primacy)

​هذا المصطلح يُستخدم للإشارة إلى المكانة التي حظي بها "الاثنا عشر" كأعمدة للكنيسة. ففي رسائل بولس الرسول، يتحدث عن "الرسل الذين هم قبل" (أي الذين صاروا رسلاً قبله)، ويُشير إلى أن السلطة الإيمانية والتعليمية كانت متمركزة في "الاثني عشر" (مثل بطرس ويعقوب ويوحنا).


٣.  "التأسيس الرسولي" (Apostolic Foundation)

​يُسمى الجزء الذي يتحدث عن كيفية تأسيس الكنيسة من خلال هؤلاء بـ "التأسيس الرسولي". هنا يظهر التمييز بأن الاثني عشر هم "الأساس" (بمعنى مرجعية الإيمان)، بينما السبعون هم "البناء" (بمعنى نشر الإيمان وتوسيع الكنيسة في العالم).


٤. في التقليد الأرثوذكسي (الرتب الكنسية)

​في الكنيسة الأرثوذكسية، يُشار إلى هذا التمييز بـ "مراتب الخدمة":

  • الاثنا عشر: يمثلون "الأسقفية الأولى" (المسؤولية العليا عن الكنيسة ككل).
  • السبعون: يمثلون "الخدمة الكرازية المتنقلة" (الرسل المبشرون الذين لا يستقرون في مكان واحد، بل يطوفون المسكونة).

(٢) الفرق بين الرتب الرسولية :

١. الفرق بين "التلاميذ" و"الرسل"

​هناك تمييز لاهوتي هام في المسيحية بين "الاثني عشر" (الرسل المختارون الذين رافقوا يسوع طوال خدمته وكانوا أقرب المقربين له) وبين "السبعين".

  • الاثنا عشر: يمثلون "الآباء الاثني عشر" لأسباط إسرائيل الاثني عشر (رمز للعهد القديم المكتمل).
  • السبعون: يمثلون الانفتاح العالمي (كما ذكرنا سابقاً بخصوص رمزية الأمم).
  • التكامل: في الكنيسة الأولى، كان "الاثنا عشر" هم مرجعية التعليم والإيمان، بينما "السبعون" كانوا هم "الجنود" الذين انتشروا في العالم لنشر هذه البشارة. القديس بولس الرسول، على الرغم من أنه لم يكن من السبعين، إلا أنه يُعتبر نموذجاً لهؤلاء الذين أُرسلوا لاحقاً لنقل الرسالة إلى الأمم.

٢. مفهوم "السلام" في الإرسالية

​الوصية التي أعطاها يسوع لهم: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلامٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لوقا 10: 5)، ليست مجرد تحية اجتماعية. في السياق التاريخي والروحي:

  • ​كان "السلام" (شالوم) يعني في الثقافة العبرية الخلاص والبركة والكمال.
  • ​إرسالهم بالسلام كان يعني أنهم يحملون معهم "حضور الله" إلى البيوت التي يدخلونها. إذا قُبل هذا السلام، فإن البيت يصبح "كنيسة بيتية"؛ وإذا رُفض، فإن الرسول ينفض غبار رجليه (رمزاً لعدم حمل مسؤولية رفض أهل البيت للرسالة).

٣. المصير المشترك (الشهادة)

​من المهم الإشارة إلى أن معظم هؤلاء السبعين، وفقاً للتقليد الكنسي، لم يموتوا ميتة طبيعية.

  • ​الاسم "رسول" (Apostolos) باليونانية يعني "المُرسَل".
  • ​التاريخ الكنسي يربط بين إرسالهم وبين حياتهم اللاحقة التي انتهت غالباً بالاستشهاد أو الاضطهاد من أجل إيمانهم. هذا يعزز الفكرة بأن إرساليتهم لم تكن مجرد رحلة تبشيرية مؤقتة، بل كانت تكريساً نهائياً للحياة في سبيل نشر العقيدة.

٤.لماذا يغفل الكثيرون عنهم؟

​قد تتساءل: لماذا نركز دائماً على الرسل الاثني عشر؟

  • ​السبب أن الإنجيل ركز على "الاثني عشر" لأنهم كانوا شهود العيان الرئيسيين للقيامة والذين أسسوا السلطة الكنسية.
  • ​أما "السبعون"، فهم يمثلون "الكنيسة العاملة" – أي كل مؤمن عادي أخذ على عاتقه نشر الرسالة. لذا، يمكن اعتبار "السبعين" نموذجاً لكل مسيحي في الكنيسة، وليسوا مجرد شخصيات تاريخية مقدسة في الماضي.

(٣) خدمة الارسالية : 

١. الرسل كـ "كُتاب للأناجيل والرسائل" (المؤلفون)

​من المثير للتأمل أن معظم نصوص العهد الجديد كُتبت بأيدي هؤلاء الذين يُدرجهم التقليد ضمن "السبعين" أو رفقائهم المقربين جداً:

  • مرقس: (إنجيل مرقس).
  • لوقا: (إنجيل لوقا وأعمال الرسل).
  • يعقوب أخو الرب: (رسالة يعقوب).
  • تيموثاوس وتيطس: (كانوا هم الوسائط التي كُتبت إليهم الرسائل التي تحمل أسماءهم). هذا يعني أن "السبعين" لم يكونوا مجرد "رسل" (مبشرين)، بل كانوا أيضاً "المؤلفين والموثقين" للإيمان المسيحي. فما تقرأه اليوم هو نتاج فكرهم وشهادتهم.

٢. مفهوم "الخدمة البيتية" (الكنائس الأولى)

​الرسائل تشير مراراً إلى "الكنيسة التي في بيتهم" (مثل كنيسة بيت فليمون، وكنيسة بيت أكويلا وبريسكلا). هؤلاء الرسل السبعون كانوا هم الذين حولوا بيوتهم إلى مراكز كرازة. هذا يغير نظرتنا لهم؛ فبدلاً من أن نراهم "شخصيات خيالية"، نراهم أشخاصاً حقيقيين فتحوا بيوتهم، وأطعموا الغرباء، وخاطروا بحياتهم من أجل إيواء الرسل الآخرين، وهو ما يُعرف في العهد الجديد بـ "الضيافة الرسولية".


٣. التضحية كمقياس للإرسالية

​في التقليد الكنسي، غالباً ما يُشار إلى "نهاية حياة" هؤلاء الرسل كجزء من تعريفهم. العهد الجديد لا يسرد موتهم جميعاً (باستثناء اسطفانوس ويعقوب بن زبدي)، لكن التقليد الكنسي يركز على أن ختام حياتهم كان استشهاداً. هذا يربطهم مباشرة بوصية المسيح في لوقا 10: 3: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَحُمْلانٍ بَيْنَ ذِئَابٍ". لقد عاشوا هذه النبوءة حرفياً.


------------------------

سابعا : "الخلافة الرسولية" (Apostolic Succession).

​بعد أن استعرضنا الأسماء والأدوار والنصوص، تبرز فكرة كيف استمرت هذه "الكرازة" بعد استشهاد الرسل:

١. الاستمرارية (ما وراء العهد الجديد)

​الكنيسة تؤمن أن الرسل السبعين لم ينتهِ دورهم بموتهم، بل نقلوا "السلطة والتعليم" إلى خلفائهم (الأساقفة الذين أتوا بعدهم). هذا هو جوهر مفهوم "الخلافة الرسولية"؛ أي أن كل أسقف في الكنيسة اليوم هو امتداد في سلسلة غير منقطعة تعود في جذورها إلى هؤلاء الرسل الذين أرسلهم المسيح.


٢.التحدي اللاهوتي (مواجهة البدع)

​في القرون الثلاثة الأولى، واجهت الكنيسة أفكاراً غريبة (هرطقات). كان المقياس الذي تستخدمه الكنيسة للحكم على صحة أي تعليم هو: "هل هذا التعليم يعود إلى الرسل؟".

  • ​لذا، كانت القوائم التي وضعها المؤرخون (مثل دوروثاوس ويوسابيوس) للسبعين رسولاً ضرورية جداً؛ لأنها كانت بمثابة "شهادة ضمان" تاريخية. إذا كان أبولوس أو تيطس أو مرقس هم من أسسوا الكنائس وعلموا الناس، فإن أي تعليم جديد يخالف تعليمهم يُعتبر باطلاً.

٣. الحياة "الرهبانية" والنسك (التأثر بنمط حياة السبعين)

​في التقليد الأرثوذكسي، يُعتبر نمط حياة الرسل السبعين (الزهد، عدم حمل كيس أو مزود، التنقل الدائم) هو الأصل الذي استلهمت منه الرهبنة. هؤلاء الرسل كانوا أول "متبتلين" ومتفرغين للخدمة، ومن هنا نشأت فكرة الرهبنة كحياة "رسولية" مستمرة في العالم.


٤. الرمزية الجغرافية للكرازة :

​إذا نظرت إلى خريطة العالم القديم (التي كرز فيها هؤلاء السبعون):

  • ​شرقاً (بلاد ما بين النهرين وفارس).
  • ​غرباً (أوروبا وروما).
  • ​جنوباً (مصر وشمال أفريقيا).
  • ​شمالاً (آسيا الصغرى). تجد أنهم غطوا "العالم المعروف" في ذلك الزمان، مما جعل الكنيسة تُدعى "جامعة" (أي عالمية) منذ يومها الأول. هذا الانتشار الجغرافي كان هو "التنفيذ الفعلي" لوصية المسيح: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم".
------------------------
خاتمة :

​ختاماً، يتضح لنا أن "إرسالية السبعين رسولاً" لم تكن مجرد حدث عابر في حياة السيد المسيح، بل كانت النواة الأولى للحركة الكرازية التي غيّرت وجه التاريخ. إن هذا البحث قد كشف عن علاقة عضوية متينة بين هذه البعثة وبين نصوص العهد الجديد؛ فالأناجيل وضعت الأساس، وسفر أعمال الرسل سجل التحرك والانتشار، وجاءت الرسائل لتجسد هذا التعليم في حياة الكنائس الأولى عبر شخصيات حقيقية أخذت على عاتقها مسؤولية الشهادة.

​لقد تبيّن لنا أن هؤلاء السبعين—بما فيهم الأسماء التي وثقتها رسائل بولس الرسول—لم يكونوا مجرد "أسماء" في قوائم تاريخية، بل كانوا الجسد الحي الذي نقل الإيمان من "الكلمة المنطوقة" إلى "النص المكتوب". لقد كان دورهم محورياً كـ "حملة للرسائل" (كـ تيكيوس)، و"قادة للكنائس" (كـ تيموثاوس وتيطس)، و"موثقين للشهادة" (كـ مرقس ولوقا).

​إن الاستمرارية التي نراها اليوم في الكنيسة، من حيث الهياكل التعليمية والتقليد الرسولي، تعود في جذورها إلى هذه الشبكة الأولى من الرسل الذين طبقوا وصية المسيح: "اذهبوا إلى كل الأمم". وبهذا، يظل العهد الجديد بأسفاره ليس مجرد كتاب للمطالعة، بل هو "سجل أعمال" حي لهؤلاء الرسل الذين دفعوا ثمن إرساليتهم تضحيةً وشهادةً لكي تصل إلينا هذه البشارة كما هي اليوم.

​نخلص من هذا البحث إلى أن دراسة الرسل السبعين هي المدخل الأهم لفهم "قانونية وشمولية" المسيحية، مؤكدين أن وحدة العهد الجديد تكمن في وحدة "الشهادة الرسولية" التي ربطت بين ما رآه التلاميذ وما كتبه الرسل، لتظل الكنيسة مستندة دائماً على "أساس الرسل والأنبياء".

________________
المصادر والمراجع : 

١. المصادر التاريخية القديمة
  • يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة: يعتبر أهم مصدر تاريخي كنسي، وفيه يذكر التقليد المتعلق بالسبعين رسولاً والأساقفة الأوائل للكنائس. ويُعد المرجع الذي أرسى قواعد التأريخ الكنسي واعتمد عليه المؤرخون في حصر أسماء الرسل، وهو المصدر الذي يربط بين نصوص العهد الجديد والقوائم الكنسية للرسل السبعين.
  • دوروثاوس الصوري، في الرسل السبعين: مرجع قديم جداً (من القرن الرابع) يُنسب إليه القائمة التقليدية الأكثر شهرة للسبعين رسولاً وأماكن كرازتهم.
  • الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، السنكسار (كتاب سير القديسين): المرجع التراثي الأساسي الذي يربط الرسل السبعين بالأحداث اليومية في حياة الكنيسة، ويقدم تفاصيل عن أماكن كرازتهم وطريقة استشهادهم، مما يعطي بُعداً روحياً وعملياً للبعثة الرسولية.

٢. المراجع الكتابية (داخل العهد الجديد)
  • الكتاب المقدس (ترجمة فاندايك):
    • إنجيل لوقا (الإصحاح 10): النص التأسيسي لبعثة السبعين.
    • سفر أعمال الرسل: المصدر الرئيسي لنشاط هؤلاء الرسل وحركتهم في الكرازة.
    • رسائل بولس (رومية 16، كولوسي 4، فيليبي 4، الرسائل الرعوية): المصدر الأساسي لأسماء الرسل وعلاقتهم بالخدمة كرفقاء عمل وأساقفة.

٣. المراجع الأكاديمية واللاهوتية
  • قاموس الكتاب المقدس: (مثل قاموس "موقع الأنبا تكلا" أو القواميس الكتابية العالمية مثل Eerdmans Bible Dictionary)، وهي توفر تفاصيل دقيقة عن كل شخصية ذكرت في العهد الجديد.
  • هينري تشادويك، تاريخ المسيحية المبكرة: يناقش كيف تشكلت الهياكل الرسولية والأسقفية في القرون الأولى وتطور الكنيسة.
  • سلسلة آباء الكنيسة (Patrology): تشرح كيف تعامل الآباء مع نصوص العهد الجديد وكيف صنفوا الرسل والشمامسة.

٤.المراجع الإلكترونية المعتمدة
  • موقع الأنبا تكلا هيمانوت (st-takla.org): من أضخم المراجع العربية للمكتبة الأرثوذكسية، ويحتوي على تفاصيل دقيقة عن قائمة السبعين رسولاً وسير حياتهم من السنكسار.
  • موسوعة Catholic Encyclopedia (الإلكترونية): تقدم مقالات أكاديمية حول "الرسل" (Apostles) والتمييز بينهم وبين "التلاميذ" (Disciples) من منظور تاريخي.
  • موسوعة Britannica: تقدم نظرة تاريخية عامة عن العصر الرسولي وتطور الكنيسة المبكرة.

************************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق