+ قصة ايقونة العذراء بثلاث ايادى المعروفة (بيد المعونة) وعلاقتة بيوحنا الدمشقي :
تُعد أيقونة العذراء "ذات الأيدي الثلاث" (باليونانية: Tricherousa) من أشهر الأيقونات العجائبية في التراث الأرثوذكسي، وترتبط قصة ظهور اليد الثالثة بمعجزة حدثت للقديس يوحنا الدمشقي.
١. القصة التاريخية والمعجزة (القرن الثامن الميلادي)
ارتبطت هذه الأيقونة بسيرة حياة القديس يوحنا الدمشقي. تعود هذه الأيقونة إلى القرن الثامن الميلادي عندما استلم الحكم في القسطنطينية الملك لاون الذي أنشأ حرباً ضد الأيقونات المقدسة، فأمر برفعها من الكنائس وأخذ يضطهد المؤمنين المستقيمي الرأي الذين كانوا يؤدّون الإكرام الواجب لهذه الأيقونات.
سمع القديس يوحنا وهو في مدينة دمشق عاصمة الدولة الأموية، بهذه الموجة العنيفة ضد الكنيسة،وكان حينئذٍ علمانياً يشغل منصب وزير الخزينة لدى الدولة الأموية.
وكان اسمه المنصور بن سرجون. فانبرى للرد على كل من يهاجم الأيقونات المقدسة واصفاً إياه بالهرطقة وبأنه يحارب تجسد ابن الله من العذراء، وتأله البشر بالنعمة الإلهية. واعتمد كثيراً على قول القديس باسيليوس الكبير: "إن إكرام الأيقونة يعود إلى عنصرها الأول".
ولما وصل الخبر إلى الملك كاره الأيقونات، أراد أن ينتقم من القديس يوحنا فلجأ إلى الغش والخداع. فدعى إليه بعض الخطاطين ليقلدوا خط القديس برسالة مزورة ملفّقة وكأنها على لسان القديس موجهة للملك لاون، وفيها يعرب للملك بأنه مستعد للتعاون معه ضد الخليفة الأموي وأن يسلم له مدينة دمشق. وبعد ذلك أرسل الملك لاون إلى الخليفة الأموي الرسالة المزورة مع رسالة أخرى يكشف فيها خداع وخيانة المنصور له.
لما استلم الخليفة هاتين الرسالتين أسرع باستدعاء المنصور (يوحنا)، فأراه الرسالة المزورة قائلاً له: "أتعرف يا منصور هذا الخط ومن كتبه".
فأجاب القديس: "أيها الأمير كأن الخط مشابه لخطي وهو ليس خطي وألفاظه ما نطقت بها شفتاي ولم أرى هذا الكتاب إلا في هذه الساعة الحاضرة".
لم يصدقه الخليفة، فأمر بقطع يده اليمنى. تم تنفيذ الحكم في الحال وعلّقت يده في وسط مدينة دمشق.
عند المساء أرسل يوحنا إلى الخليفة طالباً منه أن يهبه يده المقطوعة. فأذن له الخليفة بأخذها. أخذ القديس يوحنا كفه المقطوع وعاد إلى بيته وصعد إلى عليته (مكان صلاته) التي كانت فيها هذه الأيقونة.
وضع كفه على الأيقونة وارتمى أمامها مصلياً بخشوع ودموع كي يكشف الله براءته من هذه التهمة وأن يشفي له يده كتأكيد لبراءته وكذلك تشفّع إلى السيدة العذراء، إلى أن تعب، فنام.
وإذا بالسيدة العذراء تظهر له في الحلم قائلة: "قد شفيت يدك التي ستكون قلم كاتب سريع الكتابة". وأخذت اليد عن الأيقونة ووضعتها مكانها، فعادت كما كانت، فاستيقظ القديس معافى اليد وأخذ يصلي شاكراً الله وأمه الفائقة القداسة. وللشهادة على قطع يده بقي موضع القطع كالخيط الأحمر.
ويقال أنه بعد نهوضه من النوم أنشد في الحال ترنيمة "إن البرايا بأسرها تفرح بك يا ممتلئة نعمة".
في الصباح ذاع صيت هذا الشفاء العجيب في دمشق كلها. وبلغ إلى مسمع الخليفة. فجاء الوشاة إليه قائلين بأن يوحنا لم تقطع يده، بل أنه أعطى أحد عبيده أموالاً كثيرة كي تقطع يده عنه. فاستدعى الخليفة القديس ليستمع منه
٢. لماذا أُضيفت اليد الثالثة؟
امتناناً لهذه المعجزة، قام القديس يوحنا الدمشقي بصنع يد من الفضة ووضعها على أسفل الأيقونة، فبدت العذراء وكأن لها ثلاث أيدي. ومن هنا جاءت التسمية "ذات الأيدي الثلاث". اليد الثالثة لا تمثل عضواً جسدياً للسيدة العذراء، بل هي رمز لعطية القديس يوحنا وشكره لله.
٣. رحلة الأيقونة إلى جبل آثوس (اليونان)
بعد المعجزة، أخذ القديس يوحنا الدمشقي الأيقونة معه عندما ترهب في دير مار سابا في فلسطين. ظلت الأيقونة هناك حتى القرن الثالث عشر، حيث حدث تطور هام:
* هدية للقديس سافا الصربي: عند زيارة القديس سافا (مؤسس الكنيسة الصربية) للدير، أُهديت له هذه الأيقونة كبركة خاصة، فأخذها معه إلى صربيا.
* المعجزة في الطريق: تقول الروايات إنه خلال غزو لبلاد صربيا، وُضعت الأيقونة على ظهر حمار ليتم تأمينها، فسار الحمار بمفرده دون قائد حتى وصل إلى أبواب دير هيلاندار (Hilandara) في جبل آثوس باليونان، ومنذ ذلك الحين (حوالي عام 1350م) وهي مستقرة هناك.
٤. رئاسة الدير (المعجزة الإدارية)
هناك تقليد فريد مرتبط بهذه الأيقونة في دير هيلاندار؛ ففي إحدى الفترات اختلف الرهبان على اختيار "رئيس للدير". يُقال إن الأيقونة انتقلت من مكانها لتجلس على كرسي الرئاسة.
منذ ذلك الوقت، لا يوجد "رئيس دير" بشري في هيلاندار، بل تُعتبر العذراء ذات الأيدي الثلاث هي رئيسة الدير، ويقوم الرهبان بأخذ البركة من الأيقونة قبل البدء بأي عمل رسمي، وكأنها هي المديرة لشؤونهم.
٥. الوصف الفني والرمزى
* اليد الفضية: في أغلب النسخ الحالية، تظهر اليد الثالثة مصنوعة من الفضة أو الذهب ومثبتة فوق الرسم الأصلي، تعبيراً عن "يد المعونة" التي امتدت لشفاء القديس يوحنا.
* نوع الأيقونة: تنتمي لنوع "الهاديطريا" (المرشدة)، حيث تشير العذراء بيدها نحو الطفل يسوع، موضحة أنه هو "الطريق والحق والحياة".
* الرسالة الروحية: الأيقونة تذكر المؤمنين بأن الله يتدخل في اللحظات اليائسة، وأن الدفاع عن الحق (كما فعل يوحنا الدمشقي) له ثمن ولكن له أيضاً مكافأة إلهية.
٦. الأسماء الشائعة
تُعرف الأيقونة بعدة أسماء في العالم العربي والعالمي:
* بيد المعونة: لإغاثتها للمتألمين.
* التريشيروسا (Tricherousa): وهي الكلمة اليونانية التي تعني "ذات الثلاث أيدي".
--------------------------
القديسة مريم العذراء تستجيب لكل من يلجأ اليه وتنجية وتعونة وتنقذة وتشفية وتقف معه، لأنها لها دلاله قوية عند الله.
بركة وشفاعة العذراء مريم تكون مع جميعنا. أمين.
************************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق