تولى اللواء محمد ضياء الدين منصب محافظ المنيا (2008-2011)، وشهدت فترته تضييقاً شديداً على الكنيسة. المطرانية القديمة بمغاغة كانت قد صدر لها قرار إزالة لخطورتها، وظل الأنبا أغاثون (أسقف مغاغة والعدوة) يطالب لسنوات بترخيص بناء المطرانية الجديدة، وقوبل الطلب برفض متعنت غير مبرر قانونياً.
٢. الصلاة في الخيمة والشارع
نتيجة لهذا التعنت، اضطر الأقباط للصلاة في "خيمة" وفي فناء المطرانية المهدومة وفي الشوارع لأكثر من عام. هذا الوضع خلق حالة من:
* الاستضعاف: شعر المتطرفون في القرى والمناطق المحيطة (مثل شارونة) أن الأقباط "بلا غطاء" رسمي أو أمني، وأن الدولة تتعنت ضدهم.
* الشحن الطائفي: الصلاة في العراء والاحتجاجات السلمية للأقباط حينها للمطالبة بحقهم في دور عبادة، استُغلت من قبل المحرضين لتأليب العوام ضدهم.
* كانوا يعلمون أن "دم الأقباط رخيص" في نظر السلطة المحلية آنذاك، مما شجعهم على الاقتحام والقتل بدم بارد دون خوف من عواقب سريعة.
الحادث وقع في اليوم السادس من الثورة في ليلة ٣٠ يناير ٢٠١١م ، بعد انسحاب قوات الشرطة وفتح السجون، مما أدى لانتشار "البلطجة" المسلحة في المناطق البعيدة عن الرقابة. كانت عزبة كمال لبيب (التي يسكنها أغلبية مسيحية وتتبع قرية شارونة) هدفاً بسبب موقعها المنعزل وهدوئها.
٢. بداية الهجوم
في الساعة الثالثة عصرا في اليوم ٣٠ يناير ٢٠١١م ، اقتحمت مجموعتان مسلحتان بأسلحة آلية وبيضاء منازل الأقباط من عائلة الهوايش. وبحسب شهادات الناجين، تسلل المعتدون (من عائلة تُدعى "الخوالد") عبر أسطح منازل الجيران المسلمين للوصول إلى منازل الضحايا ومفاجئتهم، مما قطع عليهم أي طريق للهرب أو الاستغاثة.
٣. وقائع المجزرة داخل المنازل
انقسمت المجزرة بين منزلين متجاورين، حيث تمت تصفية أفراد الأسرتين بالكامل تقريباً:
الأسرة الأولى:(منزل الشهيد يوسف وهيب):
١. يوسف وهيب مسعود (الأب).
٢. سماح (زوجته).
٣. كريستين يوسف وهيب (15 سنة).
٤. فادي يوسف وهيب (8 سنوات).
الأسرة الثانية:(منزل الشهيد صليب عيد):
٥. صليب عيد مايز.
٦. زكية فايز بولس (زوجة صليب).
٧. جوزيف صليب عيد (4 سنوات).
٨. يوستينا صليب عيد (3 سنوات).
٩. أمجاد عيد فايز (شقيقة صليب - طالبة جامعية).
١٠. زكية فوزي أرمانيوس (والدة صليب).
١١. سنيورة فؤاد فهيم.
٤. النهب والتمثيل بالممتلكات
بعد إتمام عملية القتل البشعة، لم يتوقف المعتدون عند هذا الحد، بل قاموا بنهب المنازل بالكامل. سُرقت مبالغ مالية قُدرت بـ 150 ألف جنيه، بالإضافة إلى المشغولات الذهبية، الأثاث، والمنقولات. كما قاموا بنهب "المواشي" وكل ممتلكات الأسرة، تاركين المنازل خاوية إلا من جثث ضحاياها.
٥. الحقيقة القضائية
التحقيقات أثبتت أن الدافع الأساسي كان "السرقة بالإكراه تحت ستار الفوضى"، لكن بشاعة التنفيذ واستهداف أسر مسيحية بالكامل في عزبتهم أعطى الحادث طابعاً مأساوياً وطائفياً في الوجدان الشعبي. تم القبض على الجناة وصدرت ضدهم أحكام رادعة (إعدام ومؤبد) بعد سنوات من المداولات.
بناءً على الأحكام القضائية النهائية التي صدرت في القضية رقم 1122 لسنة 2011 جنايات مغاغة، والمقيدة برقم 24 لسنة 2011 كلي شمال المنيا، إليك تصنيف المتهمين حسب الأحكام النهائية الصادرة ضدهم (بعد استنفاد كافة مراحل التقاضي وإعادة الإجراءات):
أولاً: الصادر بحقهم حكم الإعدام شنقاً
تم تنفيذ أو تأييد حكم الإعدام بحق المتهمين الذين ثبت قيامهم بالقتل المباشر وقيادة الهجوم المسلح، وهم:
١.عيد عبد الباقي مبروك.
٢. مبروك عبد الباقي مبروك.
٣. إبراهيم محمد محمد (وشهرته إبراهيم العربي).
ثانياً: الصادر بحقهم حكم السجن المؤبد (25 عاماً)
صدرت أحكام بالسجن المؤبد على المتهمين الذين شاركوا في التجمهر، والتحريض، والسرقة بالإكراه، وحيازة الأسلحة، وهم من عائلة واحدة شاركت في الهجوم:
١. نصحي عبد الباقي مبروك.
٢. علي عبد الباقي مبروك.
ملاحظات قانونية هامة:
* إعادة الإجراءات: هؤلاء المتهمون صدرت ضدهم أحكام "غيابية" بالإعدام في عام 2012، ولكن بعد القبض عليهم (أو تسليم أنفسهم) تمت إعادة محاكمتهم حضورياً، وصدرت الأحكام المذكورة أعلاه في عام 2018، وأيدتها محكمة النقض لاحقاً لتصبح نهائية وباتة.
* التوصيف الجنائي: أدانتهم المحكمة بتهم: القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والسرقة بالإكراه، وحيازة أسلحة نارية وذخائر بدون ترخيص، وترويع المواطنين.
رابعا : مزار الشهداء :
بعد صدور الأحكام القضائية وتحقيق جزء من العدالة الأرضية، قامت مطرانية مغاغة والعدوة، تحت رعاية الأنبا أغاثون، بتكريم هؤلاء الشهداء من خلال إنشاء مزار خاص يليق بتضحيتهم.
الموقع:
يقع المزار داخل مطرانية مارمرقس بمدينة مغاغة بمحافظة المنيا. تم تخصيص مكان محدد ليكون مزاراً رسمياً يضم رفات الشهداء الـ 11.
تفاصيل المزار:
١- الأجساد: تم نقل أجساد الشهداء إلى هذا المزار ليكونوا بركة للمكان، حيث وُضعوا في "أنابيب" (صناديق خشبية مغطاة بالقطيفة) خلف واجهات زجاجية، وهو التقليد الكنسي المتبع لتكريم الشهداء.
٢- التوثيق: يضم المزار صور الشهداء الـ ١١ واسمائهم ومدون أسفل كل صورة تاريخ الاستشهاد "30 يناير 2011
٣- المقتنيات: يحتوي المزار في بعض أجزائه على بعض المتعلقات التي كانت بحوزتهم أو ملابس تحمل آثار الحادث، لتظل شاهدة على ما حدث من أجل الإيمان والتمسك بالأرض.
الأهمية الروحية والسنوية:
* إحياء الذكرى: تقيم المطرانية قداساً إلهياً سنوياً في 30 يناير من كل عام بحضور الأنبا أغاثون وأسر الشهداء الناجين وشعب الإيبارشية، ويُقرأ السنكسار (سير الشهداء) متضمناً قصة شهداء شارونة.
* رمزية المكان: يمثل هذا المزار نهاية رمزية لمعاناة "الخيمة" التي تحدثنا عنها؛ فالمطرانية التي كان يُرفض بناؤها، أصبحت اليوم تضم أجساد الشهداء الذين سقطوا في تلك الحقبة الصعبة.
********************
اعداد / امجد فؤاد
موسوعة الديانة المسيحية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق