بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أبريل 2026

+ الوثائق والتقاريرالرسمية للحكم على يسوع

التقارير الرسمية ووثائق الحكم على يسوع المسيح :


(١) رسالة من أورشليم من طرف يوليوس والي الجليل إلى المحفل الروماني بمدينة رومية شدا ريني أمير رومية

​"إنه قد بلغني أيها الملك قيصر أنك ترغب معرفة ما أنا أخبرك به الآن فاعلم أنه يوجد في وقتنا هذا رجل سائر بالفضيلة العظمى يدعى يسوع، وأن الشعب متخذه بمنزلة نبي الفضيلة وأن تلامذته يقولون إنه ابن الله خالق السموات والأرض وكل ما وجد ويوجد فيهما. فبالحقيقة أيها الملك إنه يومياً يسمع عن يسوع هذا أشياء غريبة، فيقيم الموتى ويشفي المرضى بكلمة واحدة، وهو إنسان بقوام معتدل ذو منظر جميل للغاية له هيبة جيدة جداً حتى أنه يلزم من ينظر إليه أن يحبه ويخافه.

​وشعره بغاية الاستواء مندرج على أذنيه ومن ثم إلى كتفيه بلون ترابي إنما كأرضيا، وفي جبينه غرة كعادة الناصريين، ثم جبينه مسطوح وإنما بهج ووجهه بغير تجعيد بمقدار معتدل وفمه بلا عيب وأما منظره فهو واثق ومستتر وعيناه كأشعة الشمس ولا يمكن لإنسان أن يحدق النظر في وجهه نظراً لطلعة ضيائه، فحينما يوبخ يرهب ومتى أرشد أبكى ويجتذب الناس إلى محبته. تراه فرحاً وقد قيل عنه أنه ما نظر قط يضحك بل بالحري يبكي.

​وذراعاه ويداه هي بغاية اللطافة والجمال، ثم أنه بالمفاوضة يأسر الكثيرين وإن مفاوضته نادرة وبوقت المفاوضة يكون بغاية الاحتشام فيخال لمن يشاهده أنه هو الرجل الأجمل ويشبه كثيراً لأمه التي هي أحسن ما وجد بين نساء تلك النواحي. فإذا كنت ترغب يا قيصر أن تشاهده أعلمني وأنا أرسله إليك حالاً من دون إبطاء.

​ثم إنه من جهة العلوم أذهل مدينة أورشليم بأسرها لأنه يفهم كافة العلوم بدون أن يدرس شيئاً منها البتة، ويمشي حافياً عريان الرأس نظير المجانين فكثيرون إذ يرونه يزأرون بدولكم بحضرته وبالتكلم معه يرجف ويذهل وقيل إنه لم يسمع قط عن مثل هذا الإنسان في التخوم وبالحقيقة كما تأكدت من العبرانيين أنه ما سمعت قط روايات عليمة كمثل ما نعلم عن يسوع هذا. وكثيرون من علماء اليهود يعتبرونه إلهاً ويعتقدون به، وكثيرون غيرهم يبغضونه ويقولون إنه مضاد لشرائع جلالتك، فترى لي قلقاً من هؤلاء العبرانيين الأردياء. ويقال عنه إنه ما أحزن أحداً قط بل بالعكس يخبرون عنه أولئك الذين عرفوه واختبروه أنهم حصلوا منه على إنعامات كلية وصحة تامة. فإني أنا بكليتي ممتثل لطاعتك ولإتمام أوامر عظمتك وجلالتك."

الإمضاء

يوليوس لستوس والي اليهودية



نص رسالة (لينتولوس) والي اليهودية إلى مجلس الشيوخ
(وصف ملامح يسوع الناصري)

"إلى مجلس الشيوخ الروماني الموقر، من ببليوس لينتولوس، والي اليهودية:

لقد ظهر في أيامنا هذه رجل لا يزال حياً، وهو ذو فضيلة عظمى يُدعى يسوع المسيح، الذي يطلق عليه الناس اسم 'نبي الحق'، وتلاميذه يدعونه 'ابن الله'. هو يقيم الموتى ويشفي الأمراض بكلمة واحدة. إنه رجل طويل القامة، مهيب الطلعة، له وجه يبعث على الحب والخوف في آن واحد. شعره بلون خمرة النضج، مسترسل ناعم حتى أذنيه، ومنهما يهبط على كتفيه بشكل حلقات متموجة ولامعة، وأكثر قتامة في أطرافه، وله فرق في وسط رأسه يمتد طويلاً على طريقة الناصريين. جبهته صافية وعالية، ووجنتاه تميلان للحمرة الخفيفة، وجهه خالٍ من التجاعيد والبقع. أنفه وفمه لا عيب فيهما. لحيته كثيفة وبلون شعره، وهي ليست طويلة ولكنها منقسمة من الوسط. عيناه زرقاوان صافيتان وتلمعان ببريق عجيب. إنه مهيب في توبيخه، رقيق ولطيف في إرشاده. يفيض وجهه بنوع من النور والجاذبية. لم يره أحد يضحك قط، ولكنه شوهد يبكي مراراً. له جسد مستقيم، ويدان طويلتان جميلتان، وذراعاه في غاية التناسق. إنه بليغ في حديثه، متزن في منطقه، ومتواضع جداً في مظهره. إنه، باختصار، أجمل بني البشر سيماءً وطلعة.

الطلب:

لذا، أرفع إلى مجلسكم الموقر هذا التقرير للإحاطة والتدوين في سجلات الدولة الرسمية، ليكون لديكم علم بهذا الرجل وأعماله التي أذهلت سكان هذه الولاية، ولتتخذوا ما ترونه مناسباً بحسب حكمة روما وعظمتها.

التوقيع:

ببليوس لينتولوس

والي ولاية اليهودية"

-------------------------

(٢) بيان أعضاء مجمع السنيدريم" 

وهو النص التاريخي التقليدي الذي يوثق المداولات والآراء المتضاربة لأعضاء المجمع السبعين (المذكور منهم 21 عضواً بارزاً) أثناء محاكمة يسوع الناصري:

وكتب يوم الخميس العهد وتم تقديمة يوم فجر الجمعة للحكام 

بـيـــــــــــــان

أسماء الأعضاء الذين تداولوا في الحكم على يسوع:

  1. سمعان الأبرص: لماذا يُحكم على هذا البار؟
  2. يورام: فهو العاصي الذي يستحق الموت بحسب الشريعة.
  3. باراباس: انزعوا عنه الحياة، انزعوه من الدنيا.
  4. دبارياس: حيث أنه هيّج الشعب فهو مستحق الموت.
  5. تبراس: فليطرح في هاوية الشقاء.
  6. باتولوميه: لماذا كل هذه المدة ولم يُحكم عليه بالموت؟
  7. يوشافاط: اتركوه في السجن.
  8. سابس: إن كان باراً أو لم يكن، فهو مستحق كأس الحمام (الموت) حيث أنه لم يحفظ شريعة آبائنا.
  9. بيلاطس البنطي: إني بريء من دم هذا البار.
  10. سباسيل: فلنقاصصه حتى في المستقبل لا يكرز ضدنا.
  11. أناس: لا يجب الحكم أبداً على أحد بالموت ما لم نسمع أقواله.
  12. نيقوديموس: إن شريعتنا لا تصرح بالحكم على أحد ما لم تؤخذ أولاً أقواله والأخبار عما فعل.
  13. فوطيفار: إن هذا الإنسان بصفته خداعاً يُطرد من المدينة.
  14. رسموفين: ما فائدة الشريعة إن لم تُحفظ؟
  15. هاريس: إن كان باراً أو لم يكن، فحيث أنه هيّج الشعب بكرازته فهو يستحق العقاب.
  16. ريفاد: اجعلوه أولاً يعترف بذنبه ومن ثم عاقبوه.
  17. يوسف (الرامي): إن لم يكن أحد يدافع عن هذا البار فعار علينا.
  18. سوباط: الشرائع لا تحكم على أحد بالموت بدون سبب.
  19. ميزا: إن كان باراً فلنسمع منه، وإن كان مجرماً فليطرد.
  20. رحبعام: نحن لنا شريعة وبموجبها يجب أن يموت.
  21. كرسي رئيس الكهنة (قيافا): وهو رئيس كهنة اليهود، كان قد تنبأ قائلاً: "لا تسمعون منه شيئاً ولا تعتبروه، لأن الأجدر أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة بأسرها".
---------------------

(٣) رسالة كلاوديا بروكلا إلى بيلاطس

كلاوديا بروكلا (Claudia Procula) هي ​زوجه بيلاطس البنطي ، ارسلت رساله لزوجها بيلاطس وهو جالس على كرسي الولاية:


- نص الرسالة :

"إلى بونتيوس بيلاطس، زوجي وسيدي..​

أرجوك، وبحق الآلهة التي تحمي روما، وبحق حبنا، لا تمد يدك بسوء إلى ذلك البار (يسوع الناصري). لقد قضيتُ ليلةً مروعة، لم أذق فيها طعم النوم بسبب رؤيا هزت كياني.​

رأيتُ في حلمي هذا الرجل يُحاكم، وكان محاطاً بنورٍ لا يملكه البشر، بينما كانت السماء تظلمّ والزمين تضطرب من حوله. رأيتُ آلافاً من الناس من أجيال لم تولد بعد، تصرخ باسمه وتمجده، بينما كان اسمك يُذكر بمرارة كحاكمٍ أسلمه للموت.​

يا بيلاطس، إن هذا الإنسان ليس مجرماً عادياً، بل هو قدوس وبار. لا تشترك في سفك دمه الطاهر، فإني تألمتُ اليوم كثيراً في حلمٍ من أجله. اغسل يدك من هذه القضية، وأطلق سراحه، لئلا يحل غضب السماء علينا وعلى بيتنا."


----------------------
(٤) وثيقة حكم بيلاطس البنطي على موت المسيح علي الصليب

بيلاطس حكم على المسيح فى البداية بالجلد فقط ولكن الشعب هاج  ارادو ان يصلب فلذلك امر بصلب المسيح حتى الموت. 

نص الوثيقة

​"في السنة السابعة عشرة من حكم الإمبراطور طيباريوس كايسار، الموافق لليوم الخامس والعشرين من شهر آذار، بمدينة أورشليم المقدسة، في عهد الحبرين حنان وقيافا.

​أنا بيلاطس البنطي، والي ولاية الجليل، الجالس للقضاء في دار ندوة مجمع البروتوريين، أحكم على يسوع الناصري بالموت صلباً بين لصين، بناءً على الشهادات الكثيرة البينة المقدمة من الشعب المثبتة أن يسوع الناصري:

  1. ​مُضلّ يسوق الناس إلى الضلال.
  2. ​يغري الناس على الشغب والهياج.
  3. ​عدو للناموس.
  4. ​يدعو نفسه "ابن الله" كذباً.
  5. ​يدعو نفسه "ملك إسرائيل" كذباً.
  6. ​دخل الهيكل ومعه جمع غفير من الناس حاملين سعف النخل.

​فلهذا، يأمر بيلاطس البنطي القائد كونيتيوس كرينليوس أن يأتي بيسوع إلى المحل المعد لقتله. وعليه أيضاً أن يمنع كل من يتصدى لتنفيذ هذا الحكم، فقيراً كان أم غنياً.

الموقعون على الحكم:

  • ​دانيال روباني (قاضي)
  • ​يونس روباني
  • ​رافايل روباني
  • ​كابيت"

-------------

(٥) مخطوطة بيلاطس البنطي (قرار صلب يسوع المسيح)

نص الترجمة للوثيقة المروعة:

​"أنا بونتيوس بيلاطس، الحاكم الروماني، حكمتُ وانتقدتُ وأدنتُ حتى الموت بصلب يسوع، الذي تحدثت عنه الجموع وهو من أرض الجليل، وقد أُدين حسب شريعة موسى.

​أعلن وفاة هذا المصلوب مع الآخرين وفقاً لعادات المُدانين، لأنه أثار غضب اليهود، ولأن أعداد الناس من الأغنياء والفقراء الذين تبعوه وآمنوا بأنه ابن الله كان كبيراً. فقد هدّد بتدمير الهيكل المقدس لليهود، ورفض ضريبة قيصر، والجرأة التي دخل بها مدينة القدس وهو منتصراً.

وقمنا بتعيين كوينتون كورنيليوس لاصعاده عبر طرق القدس، ألبسناه أرجوانياً وتُوّج بأشواك ملتوية، وأُمسك بصليبه ليكون عبرة ومثالاً لكل الأشرار والقتلة، مع اثنين من اللصوص. وأُخرج من خلال بوابة يامبارولا (Yambarola)، أنتوني اليوم، ورُفع في مكان يُدعى الجمجمة.

​وفوق خشبة صليبه لوحة مكتوب عليها عنوان علّته بثلاث لغات: يسوع ملك اليهود."

شهود المرسوم:

  • من إسرائيل: رويدي، دانييل، رابينيل، جوناثان، بانيكان، روتام، جيتواي، وبيركولام.
  • من مملكة روما: لوسيوس، وسكستيل، وماكسيميليوس.
  • من الفريسيين: بارباس، شمعون، وبونيلي.
  • من قوات الجيش والقضاة: لوسيوس، بانتان، ومكارولا.
  • من الكهنة الرومان: روان، ويهوذا، وبوكاسول.
  • الطبيب الشرعي اليهودي: بوتان.


----------------------

(٦) تقرير من بونتيوس بيلاطس إلى مجلس الشيوخ الروماني

الموضوع: تقرير رسمي بشأن المدعو يسوع الناصري

​"إلى المجلس الموقر وعظمة الشعب الروماني (S.P.Q.R)، أنا بونتيوس بيلاطس، والي ولاية اليهودية، أرسل إليكم تحياتي وأحيطكم علماً بالأحداث الجسيمة التي شهدتها أورشليم.

​لقد سُلِّم إليّ رجل من قِبل رؤساء كهنة اليهود يُدعى يسوع الناصري، متهماً إياه بالتحريض على الشغب وادعاء الملكية وكسر النواميس المرعية. وبعد استجوابه وفحصه ملياً، لم أجد فيه ذنباً يستوجب الموت بحسب قوانيننا الرومانية، بل وجدتُ فيه حكمةً غريبة وترفعاً عن صغائر الأمور.

​إلا أن جموع الشعب، وبتحريض من قادتهم الدينيين، تعالت صرخاتهم مطالبين بصلبه، وهددوا بفتنة عامة قد تزعزع استقرار الولاية وأمن الإمبراطورية. ونزولاً عند رغبة الحشود وتجنباً لتمرد وشيك، أصدرتُ أمري بتنفيذ حكم الصلب فيه.

​وأني أحيطكم علماً، أنه عند تنفيذ الحكم في الساعة السادسة، حدثت ظواهر كونية لم نعهدها؛ فقد غابت الشمس وساد الظلام، واهتزت الأرض بقوة، مما أثار الذعر في قلوب الجنود والشعب على حد سواء. حتى أن قائد المئة المولى بالحراسة اعترف جهاراً ببر هذا الرجل.

​لقد غسلتُ يدي من دم هذا البار أمام الملأ، وأضع هذا التقرير بين أيديكم ليكون توثيقاً رسمياً لما حدث، بعيداً عن تأويلات المحرضين."

التوقيع:

بونتيوس بيلاطس

والي ولاية اليهودية


-----------------------

(٧) تقرير بيلاطس البنطي إلى الإمبراطور طيباريوس قيصر


نص التقرير : 

من: بونتيوس بيلاطس، والي اليهودية

إلى: جلالة الإمبراطور العظيم طيباريوس قيصر

جلالة الملك طيباريوس قيصر الملك المفخم 

بعد تقديم ما يجب لسامي المقام من السَّلام والإكرام أعرض: 

إنّ الحوادث التي حصلت في ولايتي في هذه الأيّام هي ذات شأن عظيم حتى رأيتُ من المناسب أن أحرّر لجلالتكم تفصيلاتها لأنّه لا عجب إذا كانت تغيّر مستقبل أمّتنا مع مرّ الأيّام وكرّ الأعوام. لأنّه يظهر لي أنّ الآلهة غضّت الطرف وتخلَّت عنّا في هذه الأيّام، حتّى إنّي أكاد ألعن اليوم الذي استلمتُ فيه زمام حكومة اليهودية عقب "فاليريوس جراتيوس"، ولكنّ هكذا قدّر وهكذا صار. 

عند وصولي إلى أورشليم استلمتُ محلّ القضاء، وأمرتُ بإعداد  وليمة فاخرة دعوتُ إليها رئيس ربع الجليل ورئيس الكهنة وحاشيته ومعيته. ولكن لم يحضر أحد منهم في الميعاد المقرّر للحضور، فاعتبرتُ ذلك سبّة وإهانة لمركزي ومقامي. وبعد أيّام قليلة تنازل جناب رئيس الكهنة وزارني. وكانت تلوح على وجهه الهيبة والخداع، وادّعى أنّ ديانته لا تبيح ولا تجيز له ولا لحاشيته الجلوس على مائدة الرومانيين، وإهراق السكائب معهم. فرأيتُ أنّ الأقرب إلى الصواب والسياسة قبول اعتذاره. ولكن تأكدتُ من هذه اللحظة أنّ هذه الأمّة المقهورة التابعة لنا أضمرت العدوان والمناوأة لأسيادها المستولين عليها. ويظهر لي أنّ مدينة أورشليم هي المدينة الوحيدة التي يصعب حكمها، بخلاف باقي المدن التي استولينا عليها، فإن دأب سكانها الميل إلى العدوان والهيجان والاضطراب، بحيث أنّني دائمًا في أرق وقلق وجزع وفزع لئلا يخلعوا دثار الطاعة، ويحدثوا القلاقل والفتن. وليس عندي لقمعهم وإخضاعهم سوى قائد مائة وشرذمة قليلة من العساكر تعدّ بالأصابع. وطلبتُ من والي سورية أن يرسل لي إمدادات، فأخبرني أنّه لا يستغني عن نفر واحد من عساكره، فإنّهم غير كافين لحماية ولايته وحفظ الأمن إلاّ بشقّ الأنفس. وأخشى أنّ التولّع الزائد لفتح البلاد وتدويخ العباد وتوسيع مملكتنا بزيادة فاحشة حتى نعجز عن حمايتها والدفاع عنها، يكون سببًا في ضعضعة أركان حكومتنا الفخيمة. 

ومن الإشاعات التي طرقت أذني واستلفتت أنظاري بنوع خصوصي، هذه الإشاعة: وهي أنّ شابًا ظهر في الجليل، يدعو الناس، بمسحة ولهجة شريفة، إلى شريعة جديدة. وكنتُ أخشى، في مبدأ الأمر، أن تكون غايته توغير الصدور على الرومانيين، وإغراءهم على القيام عليهم. ولكن زال ما كان يختلج فؤادي من الريب، وانقشعت مخاوفي. فكان يؤخذ من كلام يسوع الناصري أنّه يميل إلى الرومانيين أكثر من ميله إلى اليهود.

وفي ذات يوم، لَمّا كنتُ مارًا في جهة «سلوا» حيث كان مجتمعًا جمهور من الناس، رأيتُ في بهوة الحلقة شابًا متوكئا على شجرة، يخاطب الجمهور بهدوء وسكون. فقلتُ بعد الاستفهام إنّ هذا الشخص هو يسوع، وهو ما كنتُ أنتظره وأتوقعه ويلهمني إليه وجداني. فإنّه كان يوجد بينه وبين السامعين بون عظيم، وفرق جسيم، فلون شعره الذهبي، ولحيته اللطيفة، جعلت هيأته سماويّة، ويظهر أنّه بلغ من العمر ثلاثين سنة. ولم أر في حياتي وجهًا صبوحًا أحلى أو أصفى أو أنقى من وجهه. وما أعظم الفرق بينه وبين سامعيه ذوي اللحى السوداء واللون الأسمر. 

ولَمّا كنتُ لا أريد أن أشوش عليه، استمررتُ في السير، ولكنّي أوعزتُ إلى كاتبي «مانيليوس» حفيد زعيم المتآمرين الذين حلّوا في «اتروبه» في انتظار «كاتلين»، وكان مانيليوس سابقًا من اليهودية، وله إلمام تامّ باللغة العبريّة، وأظهر الولاء والأمانة لي، وهو جدير بثقتي. ولَمّا دخلتُ محلّ القضاء، لقيت مانيليوس، فقصّ عليّ أقوال يسوع التي نطق بها في «سلوا»، ولم أسمع في خطب الخطباء، ولا في مؤلفات الفلاسفة، كلامُا يشبه كلام المسيح وجوامع كلمه. 

فسأله أحد اليهود القساة العصاة – فإنّ أمثال هذا العاتي كثيرون في أورشليم– وقال له: هل يجوز أن نعطي الجزية والجباية لقيصر أم لا؟ فأجاب يسوع: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه. فلذا أعطيتُ هذا الناصري، بسبب حكمة أقواله، حريّة تامّة، لأنّه كان في استطاعتي وإمكاني إلقاء القبض عليه، ونفيه إلى بنطس، ولكن لو فعلت هذا لكان منافيًا للإنصاف والعدل اللذين اشتهر بهما الرومان. فلم يكن هذا الرجل من المفسدين، ولا من العصاة، وجعلته تحت ظلّ حمايتي ورعايتي، وإن لم أطلعه على ذلك، فيجوز له أن يفعل كيف شاء، ويتكلّم مع من يشاء، ويجتمع مع الناس ويخاطبهم ويختار تلاميذه بلا تضييق عليه ولا قيد. فإذا قدّر – لا سمحت الآلهة بوقوع هذا الفال– بأن تنسخ ديانة يسوع ديانة أسلافنا وجدودنا، يكون سبب دفن ديانة رومية في الرمس، وزوالها من الوجود، وإطلاق عنان الحريّة للناس في الديانة، وأكون أنا الرجل التعيس آلة ووسيلة فيما يسمّيه المسيحيّون العناية، ونسمّيه نحن بالمكتوب المقدّر. 

ولكنّ إطلاق الحريّة ليسوع هيّج اليهود الأغنياء والأقوياء، لا البائسين الفقراء – ولا ينكر أنّ يسوع كان صارمًا على الأغنياء الأقوياء– ومن رأيي أنّ عدم تقييد حريّة الناصري هو لحكمة سياسية مفيدة، فكان يقول للكتبة والفريسيين ما نصّه: يا أولاد الأفاعي، أنتم تشبهون القبور المبيضّة. وكان يزدري  بصدقة العشارين الصادرة عن الكبرياء، وأوضح لهم أنّ فلس الأرملة هو عند الله خير، وأبقى وأثمن وأغلى. وكانت تقام شكاوى جديدة كلّ يوم، في محلّ القضاء، على وقاحة اليهود. وبلغني أنّهم عزموا على الفتك به، وليست هذه المرّة الأولى التي رجمت فيها أورشليم أنبياءها. وبلغ عتوهم أن قالوا إذا لم تنصفهم الولاية رفعوا دعواهم إلى قيصر. 

ومع كلّ هذا فوقع سلوكي من مجلس «السناتو» في رومية موقع الاستحسان، ووعدوني بإرسال الإمدادات بعد الحرب «البارتيانية». وبما أنّه إذا استفحل الأمر وحصلت ثورة فليس في استطاعتي إخمادها لعدم وجود القوة الكافية، فلذلك عزمتُ على اتخاذ هذه الطريقة التي تتكفل باستتباب الهدوء والسكون في المدينة، بدون تعريض الولاية للذلّ والاستكانة بالرضوخ لمقترحاتهم.

فأرسلتُ خطابًا إلى يسوع، طالبًا مقابلته في محلّ القضاء للتحدث معه، فلبّى الطلب. ولا يخافكم أنّ في عروقي يجري الدم الإسبانيولي المختلط بالدم الروماني، بحيث لا أخشى من اضطراب الجأش. ولَمّا وصل، كنتُ أتمشى في المحكمة، وظهر أنّ قدمي ربطتا بيد من حديد، بأرض المحكمة المبلّط بالرخام، وارتعدت فرائصي كأنّي مجرم، مع أنّ الناصري كان هادئًا ساكنًا. ولَمّا دنا منّي وقف وأشار إليّ كأنّه يقول لي: ها أنا قد أتيت. فتفرّست بالإنذهال والهيبة، في هذا الرجل العجيب الصورة والهيئة، التي لم يكن لقرائح المصوّرين والنقّاشين أن يأتوا بمثل هذا الشكل البديع، مع تفنّنهم في رسم صور الآلهة والأبطال. وأخيرًا قلتُ له ولساني متلعثم:

 « يا يسوع الناصري، قد منحتك في الثلاث سنين الماضية حريّة وافرة لتخاطب الناس، وإنّني غير متأسّف على هذا، فإنّ أقوالك هي أقوال حكيم، ولا أعرف إذا كنتَ طالعتَ كتب سقراط أو أفلاطون أو غيرهما. ولكنّ الأمر الأكيد عندي هو أنّ خطاباتك وأقوالك مشهورة بالبساطة السامية التي ترفع قدرك على أولئك الفلاسفة. وبلغ الإمبراطور خبر هذا، وبما أنّني النائب عنه في الحكم على هذه الأمّة، فأنا منشرح لأنّي منحتُكَ هذه الحريّة فإنّك جدير بها. ومع ذلك فلا أخفي عنك أنّ أقوالك وخطاباتك أحدثت لكَ أعداء أقوياء ألداء، ولا عجب في هذا، فقد كان لسقراط أعداء، ومن شدّة بغضهم له جرعوه غصص المنون. وأعداؤك يستاءون منك لسببين: أوّلهما أقوالك، وثانيهما الحريّة التي خولتها لك. بل اتهموني بالاتحاد معك سرًا لنجرّد العبرانيين من السلطة الطفيفة التي تركَتها رومية لهم. فغاية ما ألتمسه منك، ولا أقول على سبيل الأمر، هو أن تزداد تبصرًا واحتياطًا في المستقبل، وأن لا توغر صدور أعدائك لئلا يهيجوا عليك الأوباش، ويحملوني على استعمال آلات العدل».

فأجاب يسوع الناصري بهدوء:

 « يا حضرة أمير الأرض، إنّ أقوالك هذه ليست صادرة من الحكمة الحقيقيّة. أيجوز أن تقول للتيار: قف في وسط الجبل، لأنّه يستأصل أشجار الوادي؟ إذن لأجابَكَ هذا التيار الجارف قائلاً: يجب عليّ أن أطيع نواميس الخالق، فالله هو الذي يعرف وحده المحل الذي يصبّ فيه التيار. الحقّ أقول لكَ إنّه قبل أن يزهر نرجس شارون يهرق دم البار». 

فأجبته بروعة وقلتُ له:

 « لا يسفك دمك فإنّ منزلتك عندي بالنظر إلى حكمتك هي أسمى من منزلة جميع الفريسيين المتغطرسين الميالين إلى الهيجان والعدوان، الذين لم يعرفوا قيمة الحريّة التي خولتها لهم الرومان، بل تألبوا على القيصر وتآمروا عليه وتوهموا أنّ ما أظهرناه لهم من اللين هو خوف. ولم يدر هؤلاء الأسافل الوقحاء أنّه قد يلبس أحيانًا ذئب الأحراش جلد الغنم. وعلى كلّ حال إنني سأحميك من مكائدهم، وسراي عدالتي هي مفتوحة لك تلتجئ إليها في أيّ وقت شئت». 

فأطرق يسوع رأسه بلا مبالاة ولا اهتمام وقال بلطف وتبسم:

 « إلهي، متى حلَّ يوم ابن الإنسان لا يكون له ملجأ في الأرض ولا تحت السماء، وإنّ ملجأ البار هو هناك».

قال هذا مشيرًا إلى السماوات وأنّه ينبغي أن يتمّ ما هو مكتوب في كتب الأنبياء. فأجبته بتؤدة وقلت له:

 « أيّها الشاب إنك تلزمني على تغيير طلبي إلى أمر، فإنّ سلامة الولاية التي فوّض لي الاهتمام بشأنها تستلزم ذلك، والواجب عليك أن تراعي زيادة الاعتدال في خطاباتك، واتبع أوامري ولا تنقضها، ولترافقك السعادة، وأودعك في أمان الله». 

فأجاب يسوع وقال:

 « يا أمير هذه الأرض، إنّي لم آت بحرب إلى هذا العالم بل أتيتُ بسلام ومحبّة. وولدتُ في اليوم الذي أعطى فيه أغسطس قيصر سلامًا للعالم الروماني، فالاضطهاد لا يصدر منّي بل من غيري، وسألاقيه طاعة لإرادة أبي الذي أراني الطريق. إذًا اكظم تبصرك الدنيوي فليس في طاقتك ولا في استطاعتك أن تحجز الذبيحة عن الفداء».

قال هذا واختفى كظلّ لامع خلف ستار السراي. 

فالتجأ اليهود، أعداء يسوع، إلى هيرودس، الذي كان واليًا على الجليل، وطلبوا منه أن ينفث انتقامه على الناصري. فلو فوّض الأمر لهيرودس لأمرَ بقتل المسيح حالاً. ولكن مع تباهيه وافتخاره بمقامه الملوكي كان يخشى من الإقدام على عمل يحطّ من نفوذه. 

وفي ذات يوم زارني هيرودس في محلّ الولاية. ولَمّا عزم على الانصراف بعد أحاديث تافهة، استفهم منّي عما أراه بخصوص الناصري فأجبته قائلاً: «يظهر لي أنّ يسوع هو من كبار الفلاسفة الذين يندر ظهور مثله في الأمم العظيمة، وأنّ تعاليمه لا تمسّ حرمة الدين مطلقًا. وأنّ غاية رومية أن تطلق له عنان الحريّة في الخطابة، فإنّ سلوكه وتصرفه يجعلان له حقًا في ذلك». فتبسّم هيرودس تبسّم الحقد والخبث وانصرف إلى حال سبيله بعد أن سَلّم عليّ سلام متهكم. 

وبما أنّه قرب عيد اليهود العظيم كان غرض أئمة ديانة اليهود انتهاز فرصة ضجة ورجة وهرج ومرج الشعب، التي كانوا دائمًا يظهرونها في احتفالات الفصح لدرك مآربهم. وكانت المدينة غاصّة برعاع اليهود أصحاب الشغب والاضطراب الذين كانوا يصيحون طالبين قتل الناصري. وأفادني رسلي بأنّ خزينة الهيكل صرفت على إغراء القوم على الهياج، والخطب جسيم، حتى تطاولوا على قائد مائة روماني بالشتم. وطلبتُ من والي سورية أن يرسل إليّ مائة عسكري من المشاة ومائة أخرى من العساكر الخيالة فلم يسعفني، فرأيتُ نفسي فريدًا بشرذمة من العساكر يعدون على الأصابع في وسط مدينة عاصية، وليس في استطاعتي تسكين هذا الاضطراب وإخماد نيران الشغب. ولم يبق سبيل سوى ترك الأمور تجري في مجاريها، فألقى الأوباش الهائجون القبض على يسوع. ولَمّا آنسوا عدم الخوف من الحكومة إذ ظنّوا مع زعمائهم أنّني جزع فزع من ثورتهم، تمادوا على الصياح قائلين: أصلبه، أصلبه...

وقد تحالف وتآمر في هذا الوقت ثلاثة أحزاب أقوياء. وبيان ذلك أنّ الهيرودسيين اتحدوا مع الصدوقيين على إحداث الشغب والاضطراب لسببين: أولهما، تعصبهم للناصري؛ وثانيهما، تولعهم لخلع نير رومية والتحرّر من سلطانها. فلم يغتفروا إلى دخول مدينتهم  المقدسة بالبنادر والأعلام المرسوم عليها صورة امبراطور رومية، وقد وقعت في هذا الخطأ المشئوم جهلاً منّي بعاداتهم، فاستبشعوا واستعظموا هذا الأمر، وعَدّوه انتهاكًا لحرمة الدين. والأمر الثاني الذي أوغر صدورهم وزاد حقدهم وكيدهم هو أنني كنتُ أشَرتُ بصرف جانب من خزينة الهيكل في تشييد أبنية ذات منافع عمومية فنبذوا هذه الإشارة ظهريًا.

وأيضًا كان الفريسيون أعداء يسوع الألداء، ولم يكترثوا بحكومتنا، وتجرّعوا غصص التوبيخات والتنديدات الصارمة، التي رجمهم بها الناصري مدّة ثلاث سنين، حيثما تَوجّه، ولَمّا كانوا على جانب عظيم من النذالة والجبن وخور العزيمة ولجوا باشتياق وتولع أبواب مشاحنات الهيرودسيين والصدوقيين. وزيادة على هذه الأحزاب الثلاثة تَعيّن عليّ أن أكافح الأوباش والرعاع الجامحين في الغوايات، والميالين إلى الانحياز إلى الثورات والفتن، لأنّهم يستفيدون من الفوضى والاختلال الناشئ عن هذه الفتن. 

فساقوا يسوع إلى أن أتوا به أمام رئيس الكهنة الذي كان وقتئذ "قيافا"، فأبدى رئيس الكهنة عملاً دَلّ على خضوعه السخري، فإنّه لو كان خاضعًا لنا خضوعًا حقيقيًا، وممتثلاً امتثالاً صادقًا، لَما حكمَ على يسوع بالموت. فأرسل إليّ لأنطق بالحكم عليه فأجبته قائلاً: بما أنّ يسوع كان جليليًا فهذه القضية هي من اختصاصات هيرودس. وبناءً عليه أمرتُ بإرساله إلى الجليل، فتظاهر رئيس الربع، هذا الخداع المكار، محتجًا باحترامه لمقامي، بصفة كوني وكيل القيصر، وفَوّض أمر هذا لي. وفي الحال، صارت هيئة سراي كهيئة قلعة محصورة. وكان يزداد عدد الثائرين كلّ لحظة، وغصّت أورشليم بالأفواج الكثيرة الآتين من جبال الناصرة، وظهر لي أنّ كلّ اليهودية انسكبت في أورشليم انسكابًا. وكنتُ اقترنتُ بزوجة من «الغال» ادّعت أنّ لها علمًا بالمستقبل، فبكت وألقت بنفسها عند قدميّ وقالت لي: «إحترس ولا تمسّ هذا الرجل لأنّه قدّوس، فقد رأيته البارحة في رؤيا الليل ماشيًا على الماء، وطائرًا على أجنحة الرياح، وكَلّم العاصفة وأسماك البحيرة، وكان الكلّ مطيعًا له، ممتثلاً لأمره، وها هو ذا سيل جبل قدرون جاريًا بالدم، وتماثيل القيصر ملآنة بأقذار حيمونية، وأعمدة الأنتربيم سقطت، وسترت الشمس حدادًا كالعذارى الباكيات على القبر. فيا بيلاطس، إذا لم تنصت لالتماس زوجتك، لا بدّ أن يلاقيك الشرّ، واخش لعنة السناتو الروماني وبأس القيصر». 

وفي هذه الأثناء كادت سلالم الرخام أن تسقط من ثقل الأفواج الكثيرة. فأتوا ثانية بالناصري إليّ، فتوجّهتُ إلى كرسي القضاء، يتبعني حرسي، وسألتُ المتجمهرين بصوت صارم عما يطلبونه، فأجابوا: نطلب موت الناصري. فقلتُ لهم: وأيّ ذنب اقترفه؟ فأجابوا قائلين: إنّه قد جَدّف وتنبأ عن خراب الهيكل وقال إنّه ابن الله وإنّه الماسيا ملك اليهود. فقلتُ لهم إنّ القانون لم يقدّر عقابًا بالموت على مثل هذه الذنوب. فصاح هؤلاء الجماهير العتاة القساة قائليبن: أصلبه، أصلبه. وكاد صياح هذه الجماهير الهائجين المائجين أن يزعزع أساس القصر. وكان في وسط هذه الجماهير الكثيرة، شخص ساكن هادئ، وهذا الشخص هو الناصري. وبعد أن بذلتُ جهدي مرارًا عديدة لوقايته وحمايته من مضطهديه القساة المجردين من الشفقة والرحمة، لم يُجدِ ذلك نفعًا، فاتخذتُ هذه الطريقة التي ظهر لي أنّها الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياته، وهي أنني أمرتُ بجلده. ثمّ طلبتُ طشتًا وغسلتُ يدي أمام الجمهور مشيرًا بذلك إلى استهجان عملهم، ولكن لم يأت ذلك بثمرة ولا فائدة، فإنّ نفوس أولئك الأشقياء ظمآنة لقتله. 

وكثيرًا ما رأيتُ في ثوراتنا الداخلية هيجان الجماهير وأحقادهم، ولكن ليست بشيء بالنسبة لما رأيت من اليهود في هذه الحالة، حتى يمكن أن يقال إنّه قد اجتمعت جميع الأرواح الجهنمية في أورشليم. وكان يلوح لي أنّ هؤلاء الجماهير غير ماشين على الأرض بل محمولين على الأمواج المتلاطمة من أبواب محلّ القضاء لغاية جبل صهيون يعجّون ويصيحون ويجأرون ويزأرون مما لم يسمع بمثله في فتن «البانوتية» أو في ميدان رومية. 

فأخذ النهار يعتم ويظلم بالتدريج مثل شفق الشتاء وكان مثاله مثل الظلام الذي شوهد عند موت يوليوس قيصر العظيم الذي كان في 15 مارس. أمّا من جهتي أنا، والي هذه البلاد، فكنتُ متوكئًا على عمود من أعمدة قصري، شاخصًا من الظلام المخيف إلى زبانية العذاب، يجذبون الناصري البريء ليجرعوه غصص المنون. وخلا جميع الجهات التي حولي فإنّ أورشليم تقيأت جميع الساكنين فيها إلى بوابة الجنازة التي تؤدي إلى «جيمونيكه» واكتنفتني هيئة الخراب والتحسّر، وانضمّ حرسي إلى الخيالة وقائد المئة لإظهار ظلّ القوّة، باذلين الجهد لحفظ النظام، فصرت وحيدًا منفردًا. وناجاني فؤادي بأنّ هذه الأمور الحاصلة الآن هي من متعلقات الآلهة وليست من متعلقات إنسان. وسمع صياح وصراخ عال من الجلجثة محمولاً على الرياح، منبئًا بكرب لم يطرق أذن إنسان مثله، فنزلت سحب مظلمة معتمة على أجنحة الهيكل واستقرّت على المدينة وكأنّها سَتَرَتها بحجاب. وكانت العلامات التي ظهرت في السماوات والأرض هائلة مخيفة، حتّى صاح ديونيسيوس الأريوباغي1 قائلاً: إمّا أن يكون خالق الطبيعة متألّم أو أنّ العالم آخذ في التمزق. 

وفي الساعة الأولى من الليل خلعتُ ردائي ونزلتُ إلى المدينة وتوجهتُ إلى بوابة الجلجثة، وكان قد مضى الأمر وتَمّت الذبيحة. وعادت الجماهير، وإن كانت هائجة مائجة إلاّ أنّه كان يلوح على وجوههم الكمد واليأس واشتغال البال، لأنّه اعتراهم التحسّر والفزع مما شاهدوه. وكذلك رأيت فرقتي الرومانية مارة وعليها هيئة الاكتئاب، وغطى رافع اللواء صورة النسر (وهي علامة بيرق الرومانيين) علامةً على الحداد والغَمّ. وكان بعض العساكر يهمسون بعض ألفاظ غريبة لم أفهم معناها، وكان البعض الآخر يروون عجائب وغرائب تكاد أن تشبه الغرائب التي كثيرًا ما أصابت الرومانيين بإرادة الآلهة، وكانت تقف أحيانًا زمر من الرجال والنساء ساكنين باهتين موجهين أنظارهم إلى جبل الجلجثة منتظرين طروء أمر عجيب آخر. 

فرجعتُ إلى كرسي القضاء كاسف البال كثير التفكير والبلبال. ولَمّا طلعتُ على السلالم التي كانت لا تزال ملوثة بدم الناصري، شاهدتُ رجلاً هرمًا في حالة الاستغاثة والتوسّل، وكان خلفه جملة من النساء باكيات فألقى نفسه عند قدميّ وبكى بكاءً مرًّا. ولعمري إنّه يوجعني ويؤلمني رؤية رجل هرم يبكي، فقلت له بلطف: «يا أبي، من أنت وما هي طلبتك؟» فأجاب قائلاً: «أنا يوسف من أرماثا أتيتُ متعطفًا حضرتكم وأنا جاثٍ على ركبتي أن تأذن لي بدفن يسوع الناصري». فقلتُ له: «قد أجبت طلبك». وفي الحال أمرتُ ماتليوس أن يأخذ بعض عساكر معه ليلاحظ ويباشر دفنه لئلا يتعرّض أحد له.

وبعد ذلك بأيّام قليلة وجد القبر فارغًا وأذاع تلاميذ يسوع في أطراف البلاد وأكنافها أنّ يسوع قام من بين الأموات كما تنبأ. فبقي عليّ القيام بهذا الواجب وهو إبلاغ جلالة الإمبراطور هذه الحوادث المكدرة. 

وبناءً عليه، بادرتُ بتحرير هذا. ولم أنته من تحرير هذا البلاغ إلاّ وبزغ نور النهار. وفي هذا الوقت طرق أذنيّ صوت نفير يضرب نغمة «ديانا» فوجهتُ نظري نحو بوابة قيصر، فشاهدتُ فرقة من العساكر، وسمعتُ من على بعد أبواقًا تضرب سلام القيصر، فاتضح لي أنّها الامدادات التي وعدتني الحكومة الرومانية بإرسالها، ويبلغ عددها نحو ألفَي نفَر، من نخبة العساكر، الذين مشوا طول الليل ليتيسّر لهم الوصول بسرعة، فصرختُ فاركًا يديّ: قد قدر وقوع هذا الإثم العظيم ولا رادّ للقضاء، ولو وصلت العساكر لَما حصل ما حصل، ولكن، هل نقول إنّ العساكر وصلوا اليوم لمنع حدوث فعلة البارحة؟ 

فتبًا لهذا الدهر الغدار الذي يعبث بأحوال البشر. ولعمري لقد صدق ما صرح به الناصري وهو معلّق على الصليب: «قد أكمل».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق